لماذا يعيد الجيش تموضعه ولا يُدافع عن الجنوب؟
منذ توريط لبنان في حرب إقليمية طاحنة ومفتوحة قبل نحو شهر من اليوم، يتعرّض الجيش اللبناني لانتقادات بسبب عدم قتاله القوات الإسرائيلية المُتوغّلة، واعادة تموضعه. والكثيرون يسألون-عن حُسن أو عن سوء نيّة، لماذا يعيد الجيش تموضعه ولا يُدافع عن الجنوب؟
أوّلًا: إنّ الجيش اللبناني يفتقر تمامًا لأي منظومة دفاع جوّي، ما يعني أنه غير قادر على التعامل نهائيًا مع سلاح الجوّ الإسرائيلي الذي يتمتّع بتفوّق ساحق على مستوى كامل منطقة الشرق الأوسط.
ثانيًا: إنّ ثكنات ومقرّات الجيش اللبناني -من أصغر نقطة تمركز وُصولًا إلى وزارة الدفاع نفسها- مبنية كلّها فوق الأرض، وهي بالتالي مكشوفة تمامًا أمام الطائرات الحربية، بحيث يسهل تدميرها على من فيها من الجوّ.
ثالثًا: إنّ عدد الصواريخ المُضادة للدروع التي يملكها الجيش اللبناني محدود جدًا، وهو بالتالي لا يستطيع الوقوف أمام أي هجوم برّي منظّم وواسع على أكثر من محور.
رابعًا: الدبابات التي يملكها الجيش اللبناني قديمة العهد جدًا، حيث يعود تاريخ صنعها إلى حقبة خمسينات القرن الماضي، وهي بالتالي لا تصلح إطلاقًا للدخول في أي معركة برّية قتالية مع جيش يملك أحدث المعدّات والتجهيزات.
خامسًا: مُجرّد انخراط الجيش اللبناني في القتال في الجنوب، يعني تلقائيًا أنّ الدولة اللبنانية بكل أركانها ومنشآتها وبناها التحتية صارت في حال الحرب، ويعني أنّ الغارات يمكن أن تطال القصور والمقرات الرئاسية والرسمية كلّها، والوزارات، والمنشآت والمصالح الاقتصادية والخدماتية، إن التابعة للدولة أم الخاصة. بمعنى آخر، توريط كل لبنان من دون أي رادع.
ممّا سبق، المسألة ليست عبارة عن غياب القرار السياسي بالمواجهة-كما يدّعي البعض، بل هو ناجم عن دراسة منطقية للقدرات العسكرية الفعلية، بعيدًا عن العنتريات الفارغة، وبنتيجة الرغبة في عدم التضحية بجنود الجيش اللبناني الذين لا تعوزهم العزيمة والشجاعة، ولا ينقصهم التدريب والتمرّس بالقتال. فلا أحد يملك القدرة على التحليل والتقييم بشكل مُتّزن، يقبل بزجّ العسكريّين في معركة انتحار جَماعي! وبالتالي، إنّ انخراط الجيش اللبناني في قتال الاحتلال الإسرائيلي لا يمكن أن يتمّ في المرحلة الراهنة، ويجب أن تسبقه خطة تحوّل طويلة الأمد تمتدّ على مدى سنوات، يتمّ خلالها اعتماد تغيير جذري لمختلف البنى التحتية والمراكز والثكنات العائدة إلى الجيش، والأهم تقضي بتزويده بأسلحة وأعتدة متطوّرة يفتقر تمامًا إليها، وهي تُمثّل الحد الأدنى المَطلوب للقتال بمواجهة جيش نظامي يملك ترسانة ضخمة من أحدث الأسلحة وأكثرها فتكًا. وإضافة إلى ذلك، إنّ سبب اعادة تموضع الجيش مُضطرًا من بعض القرى والبلدات الأمامية والحدودية، لم يتمّ بفعل الرغبة بترك الأهالي لمصيرهم على الإطلاق، بل هو ناجم من خشية إتمام القوى المهاجمة المعادية حصارها لهذه القرى والبلدات، بحيث يقع الجنود اللبنانيون عندها أسرى بيد الجيش الإسرائيلي ويُصبح مصيرهم رهنًا بقرار الاحتلال، وهذا ما لا يمكن أن تُخاطر بحصوله قيادة الجيش.
وبالنسبة إلى من يقول إنّ الجيش اللبناني عاجز إذًا عن حماية الحدود، ويجب أن تُوكل هذه المهمّة إلى غيره، من الضروري الإشارة إلى أنّ السُلطة السياسية قادرة على توفير حماية سياسية لا عسكرية للبنان، عندما تكون وحدها صاحبة قرار الحرب والسلم، وعندما تكون مُسيطرة بقواها الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية من دون وجود جيوب وبقع خاضعة لجماعات مُسلّحة ولحكم الأمر الواقع، وعندما تكون قادرة على إعلان حياد لبنان عن الصراعات الإقليمية التي لم تجلب له سوى الموت والدمار، وعندما تكون قادرة على الدُخول في اتفاقات هدنة أو وقف دائم للنار وعلى احترام كل بنودها. وعندها فقط يُمكن أن يستفيد لبنان من علاقاته الدَولية لتأمين مظلّة سياسية دوليّة تحميه من الاعتداءات وتمنع اجتياح أراضيه. وبالتالي، طالما تُوجد في لبنان جَماعات مُسلّحة تأتمر بقوى خارجية، ومُنخرطة في صراعات عقائدية تتجاوز حدوده، لا توجد أي جهة إقليمية أو دَوليّة مُستعدّة لتوفير أي حماية للبنان ولأراضيه.
في الخُلاصة، إنّ إعلان حياد لبنان، والتقيّد بقرارات السلُطة السياسية فيه، كان من شأنه توفير حماية الأراضي اللبنانية والشعب اللبناني. أمّا تحدّي هذه القرارات، والانخراط في صراعات إقليميّة، في ظلّ غياب أي تحضير مُسبق للجيش اللبناني لتولّي الدور الذي يُفترض أن يكون منوطًا به، جعل مصير جزء كبير من أرض الجنوب عرضة لرهان خطير. وأي خطأ في الحسابات الدفاعية، سيُترجم عبر عودة الاحتلال الإسرائيلي، وهذه المرّة لن يكون من المُمكن حصر القتال في الجنوب لتحرير الأرض، كما حصل قبل العام 2000، حيث أنّ إسرائيل ستضرب هذه المرّة كامل الأراضي اللبنانية، في حال تعرّض مواقعها لهجمات، مع ما يعنيه هذا الأمر من نزف مفتوح على المستويين البشري والمادي، الأمر الذي لم يعد لبنان قادرًا على تحمّله إطلاقًا.
ناجي البستاني -النشرة
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|