الصحافة

الاعتداء على الخليج: إنّها عقدة الازدهار!

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

بدأت بالتفكّك السرديّة الإيرانيّة التي تسوّغ ما تقوم به من ضربات عسكريّة على قواعد وأصول عسكريّة أميركيّة تقع على أراضي دول مجلس التعاون الخليجيّ. كشفت بوضوح عن حقيقة واحدة تحوّلت إلى استراتيجية ذات أبعاد متشعّبة لدى النظام تبدأ بمعادلة: النفط للجميع أو لا نفط، اقتصاد للجميع أو لا اقتصاد، استقرار للجميع أو لا استقرار.

على الرغم من كلّ رسائل الطمأنة وتأكيد علاقات الأخوّة وحسن الجوار التي أعلنتها لدول الجوار العربيّ في الخليج، حاولت القيادة العسكريّة التي باتت تمسك بكلّ مستويات القرار السياسيّ والأمنيّ والاقتصاديّ في إيران، منذ اللحظة الأولى لردّها على الهجوم الأميركيّ الإسرائيليّ، الفصل بين علاقات حسن الجوار مع هذه الدول والقواعد العسكريّة الأميركيّة الموجودة على أراضيها. وذلك من خلال محاولة وضع تعريف جديد ومختلف لمفهوم سيادة هذه الدول، عبر الفصل بين سيادتها على كامل أراضيها، واعتبار أنّ أيّ وجود أجنبيّ، سواء كان سياسيّاً أو أمنيّاً أو عسكريّاً، أينما وُجد واستقرّ، لا علاقة له بهذه السيادة، وبالتالي تحويل هذا الوجود إلى هدف عسكريّ يُضرب بما يخدم هدف إيران في تحويل المعركة إلى حرب مفتوحة على جميع المستويات والجبهات والاتّجاهات، من دون أن يكون لهذه الدول الحقّ في الاعتراض على هذا الفعل أو الدفاع عن نفسها والردّ بالمثل.
لم تنفع رسائل الخليج

في المقابل سعت الدول الخليجيّة، التي مارست أعلى مستويات ضبط النفس واستيعاب هذه الأزمة التي تستهدف سيادتها على أراضيها وحقّها في الدفاع عن النفس، إلى إيصال رسائل للجانب الإيراني بخطورة ما يقوم به من عمليّات عسكريّة، وإمكانية أن تتوسّع إلى مستويات لا يرغب فيها أيّ من الأطراف، خاصّة في ظلّ رفض قيادات هذه الدول الانسياق وراء الرغبات الأميركيّة لتوريطها في حرب لا علاقة لها بها وتشكّل تهديداً جديّاً وكبيراً لمصالح جميع الدول.

مقابل إرادة قادة الدول الخليجيّة رفض التصعيد وقطع الطريق على إمكانيّة توسيع دائرة الحرب والمواجهة على نحو تصعب معه السيطرة عليها، تمارس القيادة الإيرانيّة والمؤسّسة العسكريّة المزيد من الخطوات الاستفزازيّة، من خلال توسيع استهدافاتها تحت عنوان ضرب الأصول العسكريّة الأميركيّة في هذه الدول، لتتحوّل إلى اعتداءات واضحة على أمن واستقرار هذه الدول الداخليَّين والإقليميَّين، بعدما وسّعت طهران دائرة هذه الاعتداءات لتطال العديد من المراكز المدنيّة والاقتصاديّة.

السرديّة الإيرانيّة لها مؤيّدون هدفهم تسويغ هذه الاعتداءات انطلاقاً من اتّهام هذه الدول بالانحياز لأنّها تستضيف العديد من القواعد الأميركيّة وتشكّل منطلقاً للعمليّات العسكريّة الأميركيّة ضدّ إيران. إلّا أنّ بعداً نفسيّاً غير معلن يحكم هذه السرديّة، يرتبط بتراكم تاريخيّ من التنافس السياسيّ والاقتصاديّ بين إيران وهذه الدول في العقود الأخيرة، ويدفع طهران إلى الذهاب في التصعيد الأمنيّ والعسكريّ ضدّها بما يخدم هذه العقدة النفسيّة المركّبة.

 

ظريف كشفها

ليس كلام وزير خارجيّة إيران الأسبق محمّد جواد ظريف الأخير سوى تعبير عن هذا التراكم، حين اتّهم هذه الدول بالتآمر على إيران في محاولة لتسويغ الاعتداءات التي تقوم بها بلاده ضدّ عمق وسيادة هذه الدول. توزّعت هذه الاتّهامات بين القول إنّ هذه الدول استعانت بأطراف خارجيّة لمواجهة إيران، وعملت على إسقاط الاتّفاق النوويّ مع السداسيّة الدوليّة، وصولاً إلى اتّهامها باعتماد استراتيجية “قطع رأس الأفعى” وإسقاط النظام في إيران، إضافة إلى رفضها كلّ محاولات التقارب والمشاريع الأمنيّة المشتركة التي طرحتها طهران في السنوات الماضية للأمن الجماعيّ وإدارة مضيق هرمز.

كثيراً ما حفلت الأدبيّات السياسيّة الإيرانيّة بنظرة حاسدة وهي تراقب ما حقّقته هذه الدول من تقدّم في العمران والازدهار وفي الموقع السياسيّ والاقتصاديّ على الصعيدين الإقليميّ والدوليّ. لم تستطع هذه الأدبيّات الخروج من نظرتها إلى المنطقة الخليجيّة على اعتبارها “خيمة وجمل”، حتّى إنّ العديد من السياسيّين الإيرانيّين لم يبذلوا أيّ محاولة لإخفاء نزعتهم إلى ضرب هذه التجربة التنمويّة وإعادة هذه البلدان إلى سابق عهدها قبل الطفرة التي حقّقتها.
وراثة موقعها التّجاريّ

لا ترى إيران ما بعد الثورة ما تعانيه من حصار وعقوبات على أنّه نتيجة الصراع مع الولايات المتّحدة والمجتمع الدوليّ فقط، بل ونتيجة ما قامت به الدول الخليجيّة من دور في وراثة موقعها في التجارة والاقتصاد العالميّ، وخاصّة في معادلات الطاقة، نتيجة تعميق تحالفها مع الولايات المتّحدة.

انطلاقاً من هذه العقدة التاريخيّة المتراكمة، ترى طهران أنّ الفرصة باتت سانحة لضرب هذه التجربة، من خلال استغلال الحرب المفتوحة لتوجيه ضربة مؤلمة لهذه التجربة وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، بهدف القضاء على المسار التنمويّ الذي أصبح ظاهرة اقتصاديّة على المستوى العالميّ.

من هنا، يأتي لجوء طهران إلى استخدام ورقة مضيق هرمز وتعطيل التدفّق الطبيعيّ لسلاسل الإمدادات الاقتصاديّة والتجاريّة، إلى جانب إمدادات الطاقة من نفط وغاز، في سياق تصعيد الضغط واستهداف هذه الدول، بالتزامن مع استمرار الضربات ضدّ القواعد العسكريّة والأصول المدنيّة والاقتصاديّة، وإمكانيّة توسيع دائرتها بذريعة استهداف المصالح الاقتصاديّة الأميركيّة، سواء كانت مستقلّة أو بالشراكة مع جهات رسميّة أو خاصّة من هذه الدول، مع إدراك طهران أنّ أيّ مصالح استراتيجيّة في أيّ دولة هي مصالح مركّبة بين الشركات المحليّة والدوليّة، خاصّة الأميركيّة، وبالتالي تشكّل هذه الذريعة غطاءً لاستهداف اقتصادات هذه الدول.

الهدف البعيد والاستراتيجيّ الذي تسعى إليه القيادات السياسيّة والعسكريّة في النظام الإيرانيّ يقوم على إعادة رسم البعد الجيوسياسيّ لسواحل الخليج، حيث لا يكون وجود هذه الدول ودورها وتأثيرها على حساب عزلة إيران وحرمانها من الاستفادة من موقعها الجيوسياسيّ. وذلك في رسالة إلى المجتمع الدوليّ بأنّ طهران مستعدّة لإدخال النظام الدوليّ في أزمة عميقة ما لم يُؤخذ في الاعتبار دورها ونفوذها في المعادلات الإقليميّة والدوليّة.

هرمز في معادلة النّفوذ

من هنا المسعى الإيرانيّ لإعادة تعريف موقع وأهميّة مضيق هرمز في معادلة النفوذ، في محاولة لتعويض ما خسرته طهران في العقود الماضية، وخاصّة بعد النهضة العمرانيّة التي شهدتها دول الخليج بحماية أميركيّة ودوليّة. زاد من تفاقم هذه العقدة عام 1981، الذي شهد تأسيس مجلس التعاون الخليجيّ، والذي رأت فيه طهران محاولة لعزلها عن أيّ منظومة أمنيّة مشتركة في الإقليم، وهو ما جعل هذه الدول تُشكّل تهديداً مباشراً لها.

لم تجد إيران وسيلة لمواجهة هذه المخاوف سوى الذهاب إلى عقيدة استراتيجيّة تقوم على أساسين:

تعزيز قدراتها العسكريّة والردعيّة.
توسيع نفوذها عبر بناء شبكة أذرع أمنيّة وعسكريّة واقتصاديّة في الإقليم.
أضافت حاليّاً بعداً جديداً يتمثّل في ضرب مسارات إمداد الطاقة والعصب الاقتصاديّ الإقليميّ والدوليّ، سواء عبر مضيق هرمز أو مضيق باب المندب، أو عبر استهداف الطرق البديلة التي عملت دول الخليج على بنائها في العقود الأخيرة، على سواحل الفجيرة الإماراتيّة أو السواحل الغربيّة للمملكة العربيّة السعوديّة على البحر الأحمر.

انطلاقاً من حسابات النظام القائمة على أنّ ما يقوم به يندرج في إطار الدفاع عن النفس، وأنّه لم يكن يوماً الجهة التي بدأت الحرب أو العدوان، يمنح نفسه حقّ استهداف أيّ طرف ردّاً على الهجوم الأميركيّ الإسرائيليّ، مستنداً إلى ثقته المفرطة بقدراته العسكريّة.

ضرب الهيمنة الأميركيّة

يضاف إلى ذلك أنّ النظام في إيران يرى في هذه الحرب فرصة لتوجيه ضربة لمنظومة الهيمنة الأميركيّة القائمة على معادلة “البترو-دولار”، وهو ما قد يضع واشنطن أمام تحدّيات مصيريّة تتجاوز البعد الاقتصاديّ الداخليّ إلى التأثير في منظومتها الدوليّة. يسمح تغيير هذه المعادلة لطهران بمعاقبة الدول الخليجيّة التي بنت اقتصاداتها وثرواتها عبر تحالفها مع الولايات المتّحدة. من هنا تأتي أهميّة مضيق هرمز في هذه الرؤية، إذ سيكون المدخل إلى تغيير هذه المعادلة وتعزيز التعامل بعملات بديلة كـ”اليوان” على حساب الدولار.

بناءً على هذه المقاربة، لا يرى النظام في طهران نفسه معنيّاً بأيّ تنازلات أو تسويات حاليّاً، نتيجة رهانه على قلب المعادلات، واعتقاده بأنّ أيّ تنازل يعني العودة إلى مرحلة الحصار والعزلة، ويخشى أن تتوسّع التنازلات لتشمل الساحة الإقليميّة لمصلحة الدول الخليجيّة.

مع إدراكه عدم قدرته على إلحاق هزيمة مباشرة بالولايات المتّحدة، يعتمد خيار جرّها إلى مستنقع أزمات مستمرّة عبر ما يمكن تسميته دبلوماسية “عليَّ وعلى أعدائي”، حتّى لو أدّى ذلك إلى دفع إيران نحو مخاطر كبرى.

في هذا السياق، تتبلور معادلة: لا أمن لأحد إذا خسرت إيران أمنها، ولا اقتصاد لأحد إذا تعطّل اقتصادها، ولا نفط لأحد إذا استمرّت العقوبات عليها، وهي المعادلة التي تحكم استراتيجيتها في إدارة هذه المواجهة.

حسن فحص - أساس ميديا

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا