الاحتقان الداخلي في ذروته... انقسام سياسي يَستوجب مُعالجة سريعة!
بمُجرّد مُتابعة بعض التعليقات على صفحات مُطلق أي موقع إخباري، يُمكن للقارئ أن يُلاحظ حجم الانقسام الهائل في الآراء السياسية بين اللبنانيّين، وحجم الاحتقان الداخلي الذي بلغ ذروته خلال الأسابيع القليلة الماضية، في ظلّ إطلاق الكثير من التهديدات المتبادلة. فما هي أسباب هذا التوتّر، وما هي التوقعات للمُستقبل، وما هي سُبل المُعالجة المُمكنة؟
بداية، لا بدّ من التشديد على أنّ الانقسام على المستوى السياسي ليس محصورًا ببعض المُغرّدين المتهوّرين، ولا ببعض الصحافيين المُتطرّفين، ولا ببعض القيادات المُتشدّدة. فعندما يبلغ الانقسام أوجه، بين عدد من أعلى المرجعيّات الدينية في لبنان، بمستوى البطريرك الماروني، وأعلى المرجعيّات الدينيّة الشيعية، لا يعود من الممكن الاختباء وراء الأصابع والحديث عن حزبيين موتورين يُحاولون صب الزيت على نار الانقسامات اللبنانية المزمنة!
فالأسباب خلف هذا الانقسام واضحة تمامًا، وهي تُختصر بالتالي:
تُوجد فئة شعبية لبنانية تؤيّد "حزب الله" بالمُطلق، ولا تُمانع أن يكون لبنان منخرطًا بسياسة إيران الإقليمية، وهي تُعدّ قتال إسرائيل واجبًا على الصُعد الدينية والعقائدية والسياسية تحت شعار "إزالتها" من الوُجود، وتتخذ من القضيّة الفلسطينيّة عنوانًا كفيلًا بشرعنة العمل العسكري المُسلّح ضُد إسرائيل. وهذه الفئة لم تُمانع انخراط "حزب الله" في الحرب ضُدّ الجيش الإسرائيلي خلال العامين 2023 و2024، بحجّة مُساندة حركة "حماس" في معركتها ضد الإسرائيليّين. وعلى الرغم من كل ما تعرّض له لبنان من خسائر خلال حرب "الإسناد" المَذكورة، لم تُمانع الفئة الشعبية المؤيدة للحزب، انخراط لبنان مرّة جديدة في حرب أكثر شراسة، دعمًا لإيران هذه المرّة. وحجّة هذه الفئة أنّ إسرائيل كانت تستعدّ أصلًا للانقضاض على لبنان، ويجب إفشال مُخطّطها القاضي باختيار توقيت مناسب لمعركتها، وكذلك أنّ إسرائيل، صاحبة الفكر التوسّعي، بقيت تعتدي على لبنان على مدى 15 شهرًا، من دون التقيّد باتفاق "وقف الأعمال العدائية"، الأمر الذي كان يستوجب ردّ فعّل عسكري لتصحيح هذه المُعادلة.
في المقابل، توجد فئات شعبية لبنانية متعدّدة تُعارض "حزب الله"، بعضها بشكل جزئي وبعضها الآخر بشكل كامل وتام. وفي هذا السياق، توجد فئة مُستعدّة لتفهّم منطق "المقاومة" عند تعرّض لبنان للاحتلال، وهي تُعدّ مُتساهلة نسبيًا مع "الحزب"، وقد كانت في مرحلة من المراحل تتعاطف معه، لكنّ هذه الفئة نفسها ترفض توريط لبنان في أي حرب بخلفيّة إقليمية، مثل "إسناد غزّة" أو "إسناد إيران". وتُوجد فئة أخرى من اللبنانيين تدعو إلى حياد لبنان عن الصراعات الإقليمية والدَولية، وفئات واسعة من اللبنانيين تدعو إلى حَصر السلاح بيد القوى الشرعية والرسمية، وترفض وُجود أي جماعات مُسلّحة خارج إطار الجيش اللبناني والقوى الرسمية الأخرى. وعلى خط مواز، تُوجد فئة أكثر تشدّدًا، ترفض وجود الشق العسكري العائد إلى "حزب الله" بالمُطلق، وتُحمّله مسؤولية الكثير من الاغتيالات التي وقعت في لبنان اعتبارًا من العام 2005، وتتهمه بالهيمنة المُسلّحة على القرار السياسي اللبناني، وتُطالب بنزع سلاحه بأي وسيلة ممكنة من دون أي تأخير، من أجل أن يعود قرار الحرب والسلم إلى يد الدولة وحدها، وتعود العدالة والمساواة بين المواطنين اللبنانيّين.
وبالتالي، وبغضّ النظر عن تعدّد الآراء المؤيّدة وتلك المعارضة، الأكيد أنّ لبنان واقع في انقسام كبير إزاء الخطوط السياسية العريضة. فالدخول في تحالفات إقليمية، والاستفادة من دعم مفتوح بالمال والسلاح من جهات خارجية، بغرض قتال إسرائيل والعمل على إزالتها من الوجود، مناقض تمامًا لمساعي تأمين حياد لبنان، وتوظيف الاستثمارات فيه ليعود بلدًا آمنًا جاذبًا للمشروعات الإنمائية وللمُهاجرين من أصل لبناني وللسيّاح من مختلف أنحاء العالم. فالفكر العقائدي القتالي والجهادي، هو نقيض فكر السلام الحيادي والتنموي. وهذا الانقسام العمودي غير مُرشّح للزوّال في القريب العاجل، بل من المُرجّح أن يتصاعد أكثر في المُستقبل، بغضّ النظر عن طبيعة نهاية الحرب الدائرة حاليًا. فالمسائل الشائكة كثيرة جدًا، وأبرزها: مصير سلاح الحزب بعد الحرب، وكيفية التعامل مع أي منطقة أو موقع في الجنوب في قبضة الاحتلال الإسرائيلي، وقضية التفاوض مع إسرائيل واحتمال توقيع اتفاقات معها، والجهة المسؤولة عن تمويل إعادة إعمار ما تهدّم، والتحوّل الديمغرافي في كثير من المناطق والاحتكاكات على الأرض بين النازحين والمقيمين، إلخ.
في الختام، إذا كان صحيحًا أنّ التدابير الميدانية التي يتخذها الجيش اللبناني على الأرض تحول دون تطوّر العديد من المناوشات إلى ما لا تُحمد عقباه، فإنّ الأصحّ أنّ هذا الانقسام الخطير بين اللبنانيّين يستوجب إجراءات سريعة. وقد يكون من بين الإجراءات المَنشودة عقد مؤتمر عام للمصالحة، ووضع خطوط عريضة للسياسة التي يجب أن تنتهجها مؤسّسات الدولة اللبنانية، على أن تكون موضع إجماع أوسع شرائح شعبية ممكنة، وعلى أن تنال أوسع غطاء سياسي مُمكن من قبل الأحزاب والشخصيات اللبنانية، بحيث يحظى تطبيقها ميدانيًا بالغطاء الواسع المطلوب الذي يزيل عندها أي تردّد من أمام الجهات السياسية والعسكرية الرسمية المعنية بالتنفيذ. وفي حال تعذّر هذا الأمر، الأمور ذاهبة حتمًا إلى مزيد من الاحتقان والتوتّر، لأنّ كل فريق سيسعى بكل الوسائل لفرض آرائه وسياساته على الآخرين، ولوّ اضطرّ إلى الاستعانة بأيادٍ خارجية لمُساعدته في تحقيق غايته!
ناجي البستاني - النشرة
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|