الصحافة

جعجع يبحث عن شرارة: الفتنة لملاقاة الصواريخ

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

في التفاصيل الصغيرة تكمن ملامح المشروع الأكبر. ففي حادثة استهداف العدو لشقة في منطقة عين سعادة، لم يكن الحدث، بالنسبة إلى معراب ومن يدور في فلكها، مقتل المسؤول في حزب «القوات اللبنانية» بيار معوض وزوجته بنيران العدو الإسرائيلي، بقدر ما كان الهاجس كيفية إدارة الرواية. إذ اندفعت الماكينة الإعلامية إلى نسج سردية مطوّلة لتحييد الفاعل، خشية ضياع فرصة الاستثمار في الدم خدمةً لمشروع يسعى إلى جعل الفتنة الداخلية بديلاً عن الصواريخ الإسرائيلية بعد انتهاء المعركة.

منذ بدء الحرب، قتلت إسرائيل مواطنين لبنانيين من كل الطوائف. في الجنوب، استُهدف مسيحيون مباشرة، لكن دماءهم لا تصلح شرارة يفعل قائد «القوات» سمير جعجع المستحيل للحصول عليها.

وعليه، لم يتم التعامل مع هذا الاعتداء كحادثة منفصلة عن مناخ التحريض العام، ولا باعتباره مجرّد انفلات إعلامي أو ردّ فعل عابر، بل يندرج، وفق هذا السياق، ضمن لحظة طال انتظارها في حسابات جعجع، بصرف النظر عن هوية الضحية، حتى ولو كان «رفيق نضال»!

منذ لحظة انتشار خبر استهداف شقة في المشروع الماروني، وتأكيد أنّ الغارة التي نفّذتها طائرة أو بارجة حربية أدّت إلى استشهاد معوض وزوجته وسيدة من سكان المبنى، وإصابة ثلاث أخريات، بدا واضحاً أنّ التغطية الإعلامية تسير في اتجاه محدّد.

فقد جرى الترويج سريعاً لسردية معدّة سلفاً، مفادها أنّ الشقة كانت مؤجّرة لشخص «مجهول» أو «غريب»، قبل الانتقال إلى ربطه بحزب الله، وهو الأمر الذي نفاه الجيش بناء على تحقيقات أولية، وشدّد في بيان على «عدم إطلاق التكهنات، والتحلي بالوعي والمسؤولية بانتظار انتهاء التحقيق».

وكان لافتاً أن إفادات سكان المشروع أكدوا أنّ «لا وجود لغرباء في المنطقة»، وأنّ الشقة المستهدفة لم تُظهر أي مؤشرات على إشغالها، مشيرين إلى أنّ طبيعة المكان وإجراءاته لا تسمح بمرور أي شخص من دون علم السكان. ورغم حالة الخوف الطبيعية التي عبّر عنها الأهالي، فإنّهم تجنّبوا الانجرار إلى روايات غير موثّقة، ما اضطر وسائل الإعلام المحرضة إلى تكذيب السكان ودفعهم إلى اختلاق روايات غير موجودة، وتكذيب رئيس البلدية وصاحب الشقة وأي شخص كان يقدّم شهادة من شأنها ضرب السردية المطلوب الترويج لها، فيما ابتدع جعجع كذبة أن الإسرائيليين كانوا يستهدفون «أحد عناصر فيلق القدس»، في رواية لم تسندها أي معطيات ميدانية.

هذه الاتهامات سُوّقت قبل استكمال التحقيقات التي لا تزال في مراحلها الأولى، علماً أنّ عدداً من المعطيات التي بدأت تتكشف يطيح بالروايات المضلِّلة التي تولّى فريق «القوات» السياسي والإعلامي، ومعه آخرون، ترويجها. فعلى سبيل المثال، تبيّن أنّ سائق الدراجة النارية الذي جرى توصيفه بـ«الغريب» كان، وفق بيان الجيش، «عامل توصيلات، عمل خلال الأشهر الماضية على إيصال الأدوية إلى سكان إحدى شقق المبنى».

التحريض الذي مارسته معراب وأدواتها لاستثمار المأساسة وتسييس الجريمة يأتي في توقيت يفصح عن مشروع خطير يدفع جعجع البلد إليه وفق أجندة قوامها الآتي:

أولاً، تخويف البيئات الحاضنة من النازحين للتحريض عليهم وطردهم، في ظل مناخ يسوده الاحتقان والغضب، حيث يجري تحميل كل نازح مسؤولية الاستهداف، وتصويره كقنبلة في مكان وجوده، وهو خطاب يستجر حقداً مقابلاً قد ينفجر في أي لحظة، ويؤدي إلى فوضى أهلية أو حرب أهلية.

ثانياً، ضرب مفهوم الدولة لدعم مفهوم الأمن الذاتي، إذ لم يتأخر في استغلال الحادثة لتكذيب رواية الجيش والأجهزة قائلاً إن «ما يُعرف بالدولة العميقة في لبنان، من جيش لبناني وقوى أمن داخلي وقضاء، فضّلت أن تترك بعض اللبنانيين يذهبون نحو الانتحار والتهلكة بدل أن تواجههم». ففكرة الأمن الذاتي اليوم تنبع من شعور الجماعات اللبنانية بالخوف، وبأن الدولة وأجهزتها غير قادرة على حمايتها. وفي الوقت عينه، يؤدي انتشار الأمن الذاتي، إلى ضرب ما تبقّى من سلطة لأجهزة الدولة.

وقد نفذت «القوات» أمس تجربة على الأرض في بلدة يحشوش في قضاء كسروان، حيث انتشر شبان خلال تشييع معوض، وهم يحملون أسلحتهم ويطلقون النار في الهواء، بأسلحة وذخائر وزعتها سيارة سوداء تعود ملكيتها، بحسب مصدر أمني، لسيدة تدعى م. ح. ويبدو واضحاً أن ما جرى في يحشوش هدفه ليس فقط استعراض قوة بوجه حزب الله، بل البعث برسالة إلى المسيحيين الذين يرفضون العودة إلى الحرب الأهلية بأن المسيحيين قادرون على الدفاع عن أنفسهم، علماً أن قيادات «قواتية» محلية طلبت من عناصرها عدم الاكتراث بإجراءات مضادة من قبل الجيش والقوى الأمنية، وأكدت لهم أن معراب «لن تسمح باعتقال أو توقيف أحد منهم».

ثالثاً، تعزيز فكرة رفض الغريب والآخر، الذي يتغذى عليها جعجع لدعم مشاريعه الانعزالية، بادعاء الخطر الوجودي. وهو ما فعله إثر خطف وقتل المسؤول في حزب القوات باسكال سليمان في نيسان 2024. حينذاك تفلّت الخطاب ضد اللاجئين السوريين، بعد الادعاء بأن ما حصل هو عملية اغتيال مدبرة، قبل أن يتبين لاحقاً أنها عملية سرقة.

انطلاقاً مما حصل في عين سعادة، يمكن الخلوص إلى أن سمير جعجع لا يزال يجهد لالتقاط فرصة التفجير الداخلي. وكأن إسرائيل، بهذا الاستهداف، كانت تعطيه ورقة لتنفيذ انقلاب موصوف، وهو انقلاب بات يجد له تربة خصبة في خطاب سياسي وإعلامي يُشيطن المقاومة وبيئتها، ويقدّمهما بوصفهما خطراً أمنياً أو ديمغرافياً أو ثقافياً، وهو خطاب يتناغم تماماً مع التوجّه العام للعدو الإسرائيلي.

ميسم رزق -الأخبار

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا