بريطانيا: نريد أن نرى لبنان مشمولا في وقف إطلاق النار... والتصعيد الذي رأيناه من إسرائيل مدمر للغاية
"سرايا الثبات"… واجهة جديدة لمحور قائم
استبعاد لبنان من أي تفاهم لا يمكن فصله عن أزمة سيادية عميقة، حيث لم يعد قرار الحرب والسلم بيد الدولة، بل بات رهينة قوى أمر واقع. في ظل استمرار "حزب الله" كقوة عسكرية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، فقدت الدولة قدرتها على فرض توازن داخلي يتيح لها الجلوس إلى طاولة المفاوضات كطرف مستقل.
هذا الخلل البنيوي حوّل لبنان إلى ورقة في يد الآخرين، يُستخدم عند الحاجة، ويُترك عند التسويات. فلا هو شريك في القرار، ولا هو بمنأى عن نتائجه، ما يضعه في موقع بالغ الخطورة مع كل تصعيد إقليمي.
التطور الأبرز يتمثل في إعلان فصيل "المقاومة الإسلامية في سوريا – سرايا الثبات" تنفيذ عمليات عسكرية ضد القوات الأميركية في لبنان وسوريا، إضافة إلى أهداف إسرائيلية. وبحسب معطيات ميدانية، يتحرك هذا الفصيل من الحدود اللبنانية – السورية، ضمن تنسيق واضح مع "حزب الله" والحرس الثوري الإيراني.
هذا المعطى يكشف عن مرحلة جديدة من إدارة الصراع، تقوم على تعدد الواجهات وتوزيع الأدوار، بحيث يتم توسيع نطاق العمليات دون تحميل جهة واحدة الكلفة السياسية الكاملة. إنها استراتيجية معروفة، لكن خطورتها اليوم تكمن في استخدامها من داخل الجغرافيا اللبنانية .
رسائل تتجاوز الحدود
اللافت أن الفصيل لم يكتفِ بإعلان عملياته، بل أكد استخدام طائرات مسيّرة انقضاضية أصابت أهدافها بدقة. هذا التطور ليس تفصيلًا تقنيًا، بل مؤشر على انتقال الصراع إلى مستوى أكثر تعقيدًا، حيث تلعب التكنولوجيا دورًا أساسيًا في رسم معادلات الردع.
الأخطر أن هذه العمليات تُدار خارج إطار الدولة اللبنانية، ما يعني أن أي رد عليها قد يطول لبنان، حتى لو لم يكن القرار لبنانيًا. هنا تتحول البلاد إلى ساحة ردود، لا إلى طرف قرار، وهو ما يفاقم هشاشتها ويضعها في دائرة الاستهداف الدائم.
لبنان كمنصة مفتوحة للفصائل
ما يجري اليوم يتجاوز وجود فصيل أو عملية عسكرية. نحن أمام واقع يتكرّس تدريجيًا: لبنان كمنصة مفتوحة للفصائل المسلحة المرتبطة بأجندات إقليمية، وفي مقدمها "فيلق القدس".
هذا التعدد في الفصائل لا يعزز قوة لبنان، بل يفتت سيادته، ويحوّل أراضيه إلى مساحة اشتباك مستمر. ومع تداخل الأجندات، يصبح من الصعب التمييز بين ما هو قرار لبناني وما هو امتداد لصراعات خارجية، في مشهد يعكس انهيار الحدود السياسية لصالح واقع أمني مفروض.
دولة عاجزة… وضغوط تتصاعد
في ظل هذا المشهد، تبدو الدولة اللبنانية عاجزة عن مواكبة التحديات. أزمة اقتصادية خانقة، مؤسسات ضعيفة، وانقسام سياسي يعيق أي قرار حاسم. ومع كل تصعيد إقليمي، يزداد احتمال أن يتحول لبنان إلى ساحة مواجهة مباشرة أو غير مباشرة .
كما أن هذا الواقع يفتح الباب أمام ضغوط دولية متزايدة، قد تأخذ شكل عقوبات أو تدخلات سياسية، تحت عنوان إعادة ضبط الوضع الداخلي، خصوصًا في ما يتعلق بسلاح الميليشيات ودور المؤسسات الشرعية.
داخل دائرة الانفجار
بقاء لبنان خارج أي تسوية إقليمية لا يعني الحياد، بل العكس تمامًا. فهو يبقى عرضة لكل تداعيات الصراع، من دون أن يمتلك القدرة على التأثير في مساره. وهذه هي المفارقة الأخطر: بلد خارج الحلول، لكنه في قلب الأزمات.
هذا الواقع يكرّس معادلة خطيرة: كلما اقتربت المنطقة من التهدئة، ازداد خطر الانفجار داخل لبنان، لأنه يبقى الحلقة الأضعف التي يمكن استخدامها لتفريغ التوترات.
لحظة القرار
لبنان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار كمنصة لصراعات الآخرين، أو استعادة قراره السيادي عبر إعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها. لكن هذا الخيار لم يعد نظريًا، بل بات مسألة وقت، في ظل تسارع التطورات الإقليمية.
التأخير في معالجة هذا الخلل سيجعل من أي انفجار مقبل أكثر كلفة، ليس فقط أمنيًا، بل على مستوى الكيان نفسه. فالدول التي تفقد قرارها، تفقد تدريجيًا موقعها، ثم دورها، وأخيرًا قدرتها على البقاء خارج إرادة الآخرين.
المشهد اليوم واضح لمن يريد أن يرى: لبنان ليس خارج اتفاقات وقف إطلاق النار فقط، بل خارج معادلة القرار برمتها. إنه بلد يُدار من خارجه أكثر مما يُدار من داخله، ويُستخدم في صراعات لا يملك قرارها.
الخطر لم يعد احتمالًا، بل واقعاً يتشكل تدريجيًا. وإذا استمر هذا المسار، فلن يكون السؤال متى ينفجر الوضع، بل كيف… وبأي ثمن… ومن سيدفع الكلفة الأكبر.
طارق أبو زينب - نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|