احذروا غضب الشارع... السيّد يرفض مفاوضات بدون خطة أو عناصر قوة
أسعار الطاقة تُفاقم مستوى المعيشة في لبنان
كتب غازي محمود الباحث في الشؤون الاقتصادية والطاقة :
يواصل لبنان التعرض للاعتداءات الإسرائيلية، وذلك على الرغم من إعلان وقف إطلاق النار الذي صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الثلاثاء 7 نيسان/ابريل الفائت، وقبيل ساعة واحدة من انتهاء المهلة التي كان قد حددها لإيران لفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، ملوحًا بتنفيذ تهديده بتدمير ما سماه “الحضارة الفارسية” في حال عدم الامتثال.
كما لا يزال لبنان يتحمل التداعيات الاقتصادية للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران على الرغم من توقفها، خاصةً وأن حظر الملاحة في مضيق هرمز شكل تهديدًا مباشرًا لأمن إمدادات الطاقة على مستوى العالم، وأسهم في دفع أسعار النفط والغاز إلى مستويات غير مسبوقة لم تبلغها منذ أربع سنوات، أي منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وهو ما يفاقم الأعباء المعيشية على اللبنانيين.
أزمة اقتصادية عالمية
وقد تسببت هذه الحرب في أزمة هي أشبه بأزمة النفط التي شهدها العالم في سبعينيات القرن الماضي، والتي نجمت عن حظر الدول العربية تصدير نفطها إلى الولايات المتحدة ودول غربية أخرى عام 1973، على خلفية دعمها لإسرائيل في حربها على مصر وسوريا. إلا أن المؤشرات الراهنة تشير إلى أن الأزمة الحالية قد تتسم بدرجة أشد وطأة وأكثر تعقيدًا.
وقد بادرت العديد من الدول إلى مواجهة اضطراب أسواق الطاقة لديها بإجراءات عاجلة، شملت تحرير جزء من احتياطياتها الاستراتيجية من النفط بهدف تخفيف حدة الصدمة على الأسواق. كما يعمل الاتحاد الأوروبي ودول مجموعة السبع على تنسيق جهود مشتركة لضمان قدر أكبر من الاستقرار فيها. كما لجأت بعض الحكومات إلى خفض الضرائب على الوقود وتقنين الاستهلاك، فضلاً عن تسريع مشاريع الطاقة البديلة لتقليل الاعتماد على إمدادات الشرق الأوسط.
لبنان والطاقة
أما لبنان، الذي يعتمد اعتمادًا شبه كامل على استيراد المحروقات، فهو من بين أكثر الدول تضررًا من ارتفاع أسعار الطاقة العالمية. ومن شأن ذلك أن يُفاقم الأعباء الاقتصادية المترتبة عليه، في ظل عدم تعافيه حتى الآن من أزمته الاقتصادية العميقة، فضلاً عن تداعيات العدوان الإسرائيلي الذي أعقب حرب إسناد غزة في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر عام 2023، وحرب الـستة والستين يومًا في عام 2024.
وتجدر الإشارة إلى أن المحروقات في لبنان تخضع لرسوم مركبة ومرتفعة، وقد أقرت الحكومة في شباط/فبراير عام 2026، رسمًا إضافيًا على صفيحة البنزين يبلغ نحو 320 ألف ليرة. ومع احتساب ضريبة القيمة المضافة، يرتفع العبء الضريبي الإجمالي إلى ما يقارب 25%–30% من السعر النهائي، وذلك قبل احتساب آثار الارتفاعات العالمية في الأسعار، وهو مستوى مرتفع نسبيًا بالمقارنة مع الاقتصادات المماثلة، وأسهم في تغذية الضغوط التضخمية وتدهور القدرة الشرائية.
تداعيات الأزمة على لبنان
في المقابل، يترافق ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا مع ارتفاع ملحوظ في أسعار الشحن البحري والتأمين، الأمر الذي ينعكس مباشرةً على أسعار الفيول أويل وسائر المحروقات في لبنان، ويؤدي إلى تصاعد الضغوط التضخمية التي تُفاقم من حدة الأزمة المعيشية، بما يعمق مظاهر الفقر والهشاشة الاجتماعية، ويُضعف القدرة الشرائية للمواطنين. وتتجلى هذه التداعيات من خلال جملة من الآثار الاقتصادية السلبية، أبرزها:
- ارتفاع فاتورة الكهرباء، سواء كان مصدرها مؤسسة كهرباء لبنان أو المولدات الخاصة، حيث يؤدي ارتفاع الأسعار العالمية إلى زيادة تكلفة كل من الـ Gas oil المستخدم للمولدات وoil Fuel المستخدم لمعامل المؤسسة.
- ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي في القطاعين الزراعي والصناعي، نتيجة الاعتماد على الطاقة لتشغيل الجرارات ومضخات المياه في الزراعة، وكذلك لتشغيل المولدات والتجهيزات الصناعية.
- ارتفاع تكلفة النقل البري للسلع والمنتجات الصناعية والزراعية.
- ارتفاع تكلفة تنقل الأفراد، سواء في وسائل النقل الخاصة أو العامة.
- ارتفاع أسعار السلع والخدمات بصورة مضاعفة، نتيجة تداخل تكاليف الاستيراد والشحن والنقل المحلي.
مؤشرات تفاقم مستوى المعيشة
إن الارتفاع المتسارع في أسعار المحروقات يؤدي إلى تسريع معدلات التضخم، ولا سيما في بندي الغذاء والطاقة، مما ينعكس مباشرةً على مؤشر أسعار المستهلك ويؤدي بدوره إلى تآكل القدرة الشرائية للأجور، في ظل ثبات نسبي في الرواتب وعدم مواكبتها لارتفاع الأسعار. وهذا من شأنه أن يساهم في اتساع رقعة الفقر وارتفاع معدلاته، وارتفاع معدلات البطالة والبطالة المقنعة، وتراجع النشاط الاقتصادي.
ويؤدي ارتفاع الأسعار إلى تغيير في بنية إنفاق الأسر، حيث ترتفع نسبة الإنفاق على الغذاء والطاقة من إجمالي الدخل، وإعادة ترتيب أولوياتها الاستهلاكية على حساب التعليم، والصحة، والادخار. وفي ظل ضعف القدرة المالية للدولة وارتفاع مستويات الدين العام، تتراجع إمكانات التدخل لتخفيف الأعباء عن المواطنين.
ولا تقتصر المخاوف من تفاقم مستوى المعيشة في لبنان على ارتفاع أسعار المحروقات وانعكاساتها المباشرة، بل تتسع لتشمل أبعاداً اقتصادية أوسع، من أبرزها:
- تزايد احتمال تراجع تحويلات اللبنانيين العاملين في دول الخليج، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وما قد يرافقها من تهديدات لأمن تلك الدول.
- ازدياد مخاطر دخول الاقتصاد اللبناني مرحلة جديدة من الركود، خاصة وأن الصناعات اللبنانية تستخدم في معظمها مدخلات مستوردة تتأثر بارتفاع الأسعار العالمية وتكاليف الشحن، الأمر الذي يُضعف القدرة التنافسية للمنتجات اللبنانية.
- فقدان عدد كبير من الأسر مصادر دخلها، سواء بسبب توقف المؤسسات عن العمل في مناطق مهددة من الاحتلال الإسرائيلي، أو بسبب النزوح من أماكن إقامتهم، وإما بسبب ترك المزارعين لأراضيهم وتعطيل أنشطتهم وخسارة مواسمهم الزراعية.
- ارتفاع تكلفة المعيشة وتراجع القدرة على الوصول إلى الخدمات الأساسية، نتيجة زيادة الطلب على السلع والخدمات في المناطق التي تستضيف النازحين، والتي تعاني أصلًا من محدودية القدرة الاستيعابية.
أسعار ترتفع ومستوى معيشة يتدهور
يتبيّن مما تقدم أن ارتفاع أسعار الطاقة لا يشكّل مجرد أزمة قطاع بعينه، بل يمثل عاملًا ضاغطًا يعيد تشكيل مجمل المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية في لبنان، ويدفع بمستوى المعيشة نحو مزيد من التدهور. وفي ظل غياب سياسات فعّالة للحماية الاجتماعية، وتعثر استثمار ثروة لبنان النفطية، تبقى قدرة لبنان على احتواء هذه التداعيات محدودة، ما يجعل الأزمة مرشحة للتفاقم، ليس فقط على المستوى الاقتصادي، بل أيضًا على مستوى الاستقرار الاجتماعي، في حال استمرار الاضطرابات في أسواق الطاقة العالمية.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|