سباق "الأمتار الأخيرة".. كيف ترفع إسرائيل كلفة ما قبل التهدئة في لبنان؟
شبح عودة طهران إلى بلاد الشام
أما، وقد نجحت إيران، إلى الآن على الأقل، في دق إسفين بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وفشل الأخير في استخدام الباب اللبناني للضغط على التفاهمات التي قادتها باكستان بين واشنطن وطهران التي أفضت إلى وقف إطلاق النار، تدخل بلاد الشام مرحلة جديدة.
تعوّل إيران على شمول وقف إطلاق النار للبنان كي تستعيد جزءاً من نفوذها في بلاد الشام، وتعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية. إذا نجحت طهران في مساعها سنكون أمام، لوحة القوى التالية: في سوريا، تركيبة حاكمة جديدة بقيادة أحمد الشرع مدعومة من تركيا. في لبنان، يتعايش حزب الله بحذر مع الحكومة اللبنانية المدعومة من الدول العربية. في فلسطين، المشروع الإسرائيلي المدعوم غربياً. تدعّم إيران موقفها في بلاد الشام عبر وكلائها في العراق، والذين شاركوا في حملة القصف الإيرانية على دول المنطقة.
ومع أن الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران لم تنتهِ بعد، وأن رحى التفاوض بين إيران والولايات المتحدة لم تنطلق بقوة، إلا أن قلقاً عاماً انتشر في عواصم المنطقة وأبعد منها، خشية هجوم إيراني ارتدادي لاستعادة نفوذ طهران المدحور، وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
جراء إيمانهم بانتصارهم في الحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، قد يسعى الإيرانيون إلى تغيير المعادلات السياسية في العراق ولبنان. استئناف طهران مساعيها لإعادة نوري المالكي إلى حكم العراق، أمر محتمل وإن لم يكن مؤكداً، بالرغم من تداعياته على استقرار بلاد الرافدين والمنطقة. ولربما مضى الحكم الإيراني خطوة أبعد، ساعياً إلى تحويل العراق إلى دولة تابعة بالكامل، فارضاً عليها نظام حكم شبيه بذاك القائم في إيران. أما في لبنان، حيث نشأت التركيبة الجديدة على أنقاض الشيعية السياسية المدعومة إيرانياً، فعلى الأرجح أن يتحين الإيرانيون كل فرصة ممكنة لإسقاط حكومة نواف سلام أو على الأقل تعطيلها وشلّ تحركاتها، وابتزاز الدول العربية الداعمة لها.
وإذا ما اتّبع الإيرانيون تكتيكاتهم القديمة في استثمار عوامل القلق والصراع داخل المجتمعات العربية وطبقوها في سوريا، فلن يلبثوا أن يهزوا استقرار البلاد ويبثوا الفوضى داخلها، مستغلين شبكة علاقاتهم الواسعة التي بنوها خلال حقبة حكم آل الأسد، سواء كي يحيوا النفوذ الإيراني في البلاد أو ليبتزوا حكامها لإجبارهم على فتح مسارات تهريب السلاح بين العراق وحزب الله عبر الأراضي السورية.
وفي حال اختارت طهران هذا المسار المفضي إلى زعزعة استقرار بلاد الشام والعراق، فستضع المنطقة أمام معضلة كبرى. لم تستغل الدول العربية انهيار الحقبة الإيرانية في المشرق العربي كي تصفّي مراكز الثقل الشيعية، بل وعلى العكس زادت تلك الدول من احتضانها لحكومة محمد شياع السوداني في بغداد، وحافظت على دور زعيم حركة "أمل" نبيه بري عبر رئاسة البرلمان، وواصلت مسار التسوية مع جماعة "أنصار الله" (الحوثيين) في اليمن. وما لم تتناغم الاستراتيجية الإيرانية مع الجهود السياسية العربية، فقد تحتدم المواجهات في بلاد الشام وبلاد الرافدين، اللتين دمرتهما سنوات من الصراعات المتداخلة والضارية.
إن إحياء الصراع الإقليمي لا يتطابق مع مصالح إيران التي تبدو في أمس الحاجة إلى بناء ما هدمته الحرب، وضمان إنهاء احتلال إسرائيل لجنوب لبنان، وعودة المهجرين. لربما لم ينحَز الإيرانيون إلى المنطق في هذه المسائل، أو لربما كان منطقهم الخاص، كما في السابق، بأن المواجهة الدائمة والمستمرة هي الطريق الأمثل لتحقيق المصالح الإيرانية.
من هنا يسود القلق في بعض الأوساط الإقليمية، ليس من رغبة إيران في استعادة نفوذها في بلاد الشام، بل من الاستراتيجيات والسياسات التي ستتبعها. تتسع حالة القلق لتشمل دولاً أوروبيةً، سواء من عودة النفوذ الإيراني إلى بلاد الأرز أو من احتمال توحيد إيران وروسيا جهودهما من أجل عودة مشتركة إلى بلاد الشام. عندئذ، سيهتز الاستقرار الاستراتيجي في المنطقة الذي أمكن ضبطه بشق الأنفس بعد سقوط نظام الأسد وتراجع النفوذ الروسي في سوريا. لقد سيّرت أنقرة العلاقات بين القوى الكبرى المعنية بسوريا بعد سقوط نظام الأسد، وتولت ضبط التوازنات الاستراتيجية حولها. ساهمت تركيا في خلق الظروف الملائمة لانسحاب القوات الأميركية من سوريا، بالتوازي مع رعايتها لمفاوضات سورية-روسية بهدف تنظيم الوجود الروسي العسكري على الأراضي السورية.
إن شبح عودة طهران إلى بلاد الشام، واحتمالات التعاون الروسي الإيراني حولها، قادا إلى نقلات توازنية عاجلة وخطوات تقارب بين سوريا، أوروبا، تركيا، أوكرانيا ودول الخليج. قبل أيام، رعا المسؤولون الأتراك تشكيل مثلث جيوسياسي جديد ضم تركيا إلى سوريا وأوكرانيا. بدورها، رفعت القيادة السورية مستوى انفتاحها على الدول الأوروبية من أجل مواجهة أي سيناريو إيراني في لبنان والشام، وطمأنت العواصم الأوروبية المتوجسة حيال الوجود الروسي العسكري في سوريا، كاشفةً عن حصره بقاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية، تمهيداً لتحويلهما إلى مراكز لتدريب الجيش السوري. في هذا الصدد أيضاً، طرأ، مؤخراً، تحسن لافت في العلاقات السورية-الفرنسية، وصل ضفاف التنسيق العسكري بشأن الأوضاع التي يمر بها لبنان. يستهدف التعاون بين دمشق وباريس المتعاظم إسناد عهد الرئيس اللبناني جوازف عون الذي يواجه تحديات جمة. جاء هذا التحسن بعد انتكاسة علاقات البلدين على خلفية المواجهات بين السلطات السورية و"قوات سورية الديمقراطية" (قسد) الحليفة لفرنسا مطلع العام الجاري.
في المقابل، أتى رد الفعل الإسرائيلي على عودة إيران إلى بلاد الشام من بوابة وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه باكستان، هيسترياً لأبعد الحدود. أحبط نتنياهو وقف إطلاق النار في لبنان، وأمر جيش الاحتلال الإسرائيلي بشنّ المزيد من الهجمات الإبادية على الأنحاء اللبنانية.
وعلى الرغم من أن العودة الإيرانية إلى بلاد الشام لم تحصل بعد وأن احتمال تجدد الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران لا يزال قائماً، إلا أن تحركات القوى الإقليمية والدولية المواجهة توحي بأن تلك العودة ستواجه بعقبات وتحديات شتى، سواء أكان الهدف منها إحياء هيمنة طهران، أو زعرعة استقرار سوريا ولبنان ونشر الفوضى فيهما. ولن تؤدي محاولات إيران لإعادة تأسيس هيمنتها الإقليمية إلا إلى زيادة الغليان في الهلال الخصيب، الذي يخضع في عمقه العراقي للنفوذ الإيراني الراجح، وفي عمقه السوري للنفوذ التركي القوي، بينما يستمر التنافس بين القوى المختلفة حول النفوذ على الأراضي اللبنانية. بغض النظر عن تراجع قدراتها وقدرات وكلائها الإقليميين، تحديداً حزب الله، وعما سيضعه منافسيها من عقبات أمام طريقها، إلا أن المؤكد أن الشروط الموضوعية للهيمنة طهران على الهلال الخصيب قد زالت، وعلى رأسها وجود نظام حليف في دمشق وحصر المد التركي بعيداً عن عمق الأراضي السورية والعراقية، وردع إسرائيل خلف جبهتي جنوب لبنان والقنيطرة.
بعد عقدين من صراع استنزف أعمار شعوب المنطقة ودمر بلدانهم وأهلك موارد الشعب الإيراني، جالباً في النهاية الدمار على إيران نفسها، ربما يكون من الأفضل للإيرانيين أن يدمجوا نفوذ بلادهم ضمن المنطقة، ويساهموا في تحقيق الاستقرار في لبنان، العراق وسوريا كي يتفرغوا لإعادة إعمار ما هدمته الحروب داخل بلادهم.
يبقى هذا الأمر مجرد أمنية صعبة التحقق، في ضوء ما عوّدتنا عليه إيران الثورية، فكيف سيكون الحال في أعقاب سيطرة الحرس الثوري الكاملة على مقاليد الأمور في طهران؟
أنس وهيب الكردي - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|