الصحافة

لماذا لا يمكن لحزب الله أن يتخلى عن سلاحه؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

نذ انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، يتكرر سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه في الواقع يلامس جوهر أزمة الدولة اللبنانية: هل يمكن لحزب الله أن يتخلى عن سلاحه ويتحوّل إلى حزب سياسي عادي، مندمج في مؤسسات الدولة؟

سؤال يُطرح وكأنه ممكن نظريًا، لكنه يصطدم بواقع سياسي وأمني وإقليمي ترسّخ خلال أكثر من عقدين، جعل من السلاح عنصرًا ثابتًا في بنية الحزب، لا تفصيلًا يمكن تجاوزه بقرار أو تسوية.

ففي لبنان، لم يعد النقاش يدور حول مبدأ احتكار الدولة للسلاح، بل حول وجود قوة مسلّحة موازية للدولة، تعمل ضمن منظومة تتجاوز الحدود والاعتبارات الداخلية، وتفرض وقائعها على النظام السياسي من الداخل والخارج.

هوية تأسست على السلاح لا بجانبه

لم ينشأ حزب الله كحزب سياسي تقليدي أضيف لاحقًا جناح عسكري، بل تأسس منذ البداية كحركة مقاومة مسلحة في ثمانينيات القرن الماضي، في سياق الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، وبالتوازي مع صعود الثورة الإسلامية في إيران.

هذا التأسيس ليس تفصيلًا تاريخيًا، بل عنصر محدد لهوية الحزب. فالسلاح لم يكن أداة ظرفية، بل جزءًا من تعريف الذات. “المقاومة” ليست وظيفة قابلة للتعليق، بل ركيزة فكرية وسياسية.

لذلك، فإن الحديث عن “حزب بلا سلاح” لا يعني تعديلًا في الأداء، بل مسًّا بجوهر التكوين، أي انتقال من كيان قائم على الصراع المسلح إلى كيان مدني صرف، وهو عمليًا إعادة تأسيس كاملة.

وهنا تكمن أولى العقبات البنيوية: لا يمكن فصل السلاح عن الهوية دون تفكيك هذه الهوية نفسها.

قرار يتجاوز الدولة: بين بيروت وطهران

لا يمكن فهم موقع السلاح في بنية حزب الله دون التوقف عند ارتباطه العقائدي والسياسي بمبدأ “ولاية الفقيه”، وبالمنظومة الإيرانية، خصوصًا البعد العسكري المرتبط عضويًا بفيلق القدس التابع للحرس الثوري.

هذا الارتباط يتجاوز التحالف السياسي التقليدي، إذ يشكّل علاقة ولاء عقائدي وتنظيمي تنعكس على مستوى القرار الاستراتيجي. في هذا الإطار يصبح السلاح جزءًا من منظومة إقليمية أوسع، لا مجرد أداة “دفاع محلية”.

من هنا، فإن قرار التخلي عن السلاح لا يُتخذ داخل بيروت فقط، بل يرتبط بتوازنات إقليمية، حيث تبقى فكرة “المقاومة المسلحة” عنصرًا مركزيًا في إدارة الصراع وفي رسم النفوذ.

بكلام آخر، سلاح حزب الله ليس لبناني الوظيفة فقط، بل جزءًا من شبكة إقليمية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، ما يجعل نزعه قرارًا يتجاوز الدولة اللبنانية نفسها.

من التحرير إلى الردع: وظيفة لم تتغيّر جذريًا

شكّل الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000 لحظة مفصلية. نظريًا كان يفترض أن ينهي مبرر السلاح كأداة “تحرير”، لكن ما حدث كان العكس، لم يختفِ السلاح بل تغيّرت وظيفته.

انتقل الخطاب من “المقاومة” إلى “الردع”، ومن تحرير الأرض إلى “حماية لبنان” ومنع الاعتداءات. ثم توسّع هذا الدور ليشمل الانخراط في معادلات إقليمية، كما ظهر في دخول الحزب إلى سوريا دفاعًا عن النظام “الأسدي”، ولاحقًا في ساحات أخرى خارج الحدود اللبنانية.

هذا التحول يكشف نقطة أساسية، السلاح لم يكن مرتبطًا فقط بوجود الاحتلال، بل بدور أوسع في المنطقة. وعندما انتهى السبب المباشر، جرى استبداله بوظائف جديدة تبرر الاستمرار.

بالتالي، فإن زوال سبب لا يؤدي تلقائيًا إلى زوال النتيجة عندما تتحول هذه النتيجة إلى عنصر مستقل في بنية القوة.

السلاح داخل الدولة: من التوازن إلى فرض الوقائع

إلى جانب البعد الإقليمي، يلعب سلاح حزب الله دورًا حاسمًا في الداخل اللبناني، ليس كوسيلة مواجهة خارجية فقط، بل كعنصر في توازنات السلطة.

السلاح يمنح الحزب موقعًا تفاوضيًا استثنائيًا، يجعله لاعبًا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة سياسية، وهو ما ظهر بوضوح في محطات مفصلية.

في 7 أيار/مايو 2008، استُخدم السلاح في الداخل في بيروت والجبل، في سياق صراع سياسي، ما شكّل لحظة فارقة أعادت رسم حدود القوة داخل النظام، وأكد أن السلاح ليس محصورًا بوظيفة دفاع خارجي.

ثم جاء اتفاق الدوحة ليكرّس توازنات جديدة، أبرزها ما عُرف بـ”الثلث المعطّل”، الذي منح قوى معينة قدرة على تعطيل القرار الحكومي وخلق حالة من الفراغ في مؤسسات الدولة العليا.

كما لا يمكن تجاهل ما أعقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، وما رافقه من استقطاب سياسي حاد أعاد تشكيل الحياة السياسية في لبنان.

وفي 2019، جاءت انتفاضة 17 تشرين كمحاولة شعبية لكسر هذا النظام، لكنها اصطدمت بواقع صلب تتداخل فيه السلطة السياسية مع عناصر القوة، بما فيها السلاح، ما حدّ من قدرتها على إحداث تغيير جذري.

كل هذه المحطات تشير إلى حقيقة واحدة، السلاح في لبنان ليس عاملًا خارجيًا عن النظام، بل جزء من بنيته الداخلية ومن آليات إنتاج السلطة فيه.

السلاح وإعادة تشكيل النظام اللبناني

لا يمكن فصل مسألة السلاح عن التحولات العميقة التي شهدها لبنان منذ عام 2005. فمرحلة ما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وما تلاها من انسحاب الجيش السوري، لم تؤدِّ إلى قيام توازن جديد داخل الدولة، بل إلى إعادة توزيع موازين القوة بوسائل مختلفة.

في هذا السياق، برز سلاح حزب الله كعامل حاسم في ملء الفراغ الذي خلّفه تراجع النفوذ السوري، ما أتاح له، بالتحالف مع حركة أمل، ترسيخ موقع متقدم داخل مؤسسات الدولة، من مراكز القرار إلى بنية النظام نفسه.

كما ترافقت هذه المرحلة مع اتهامات سياسية مستمرة للحزب بالوقوف خلف سلسلة اغتيالات طالت شخصيات بارزة في قوى 14 آذار، ما عمّق الانقسام الداخلي وأعاد رسم الحياة السياسية على أسس أكثر حدّة.

ضمن هذا المسار، لم يعد السلاح مجرد أداة دفاع أو ردع، بل تحوّل إلى عنصر مؤثر في إعادة إنتاج النظام الطائفي، وفي تثبيت توازنات قائمة على تقاسم السلطة، حيث اختُزل التمثيل الشيعي إلى حدّ كبير بثنائية حزب الله – حركة أمل.

قرارات الدولة: بين النص والواقع

لم يبقَ النقاش في لبنان نظريًا فقط. ففي أعقاب حرب “إسناد غزة” التي بدأها حزب الله في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أقرّ مجلس الوزراء في 5 و7 آب/أغسطس 2025 خطة لحصر السلاح بيد القوى الشرعية.

ثم في 2 آذار/مارس 2026، ومع تصاعد المواجهة الإقليمية، اعتُبرت الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب خارج إطار الشرعية.

لكن هذه القرارات، رغم وضوحها، تكشف حدود الدولة، إذ تصطدم بواقع موازين القوى، حيث يبقى السلاح جزءًا من بنية قائمة لا مجرد مخالفة قابلة للمعالجة بقرار.

بين بنية صلبة وشعار سياسي مستحيل التطبيق

فكرة نزع سلاح حزب الله تُطرح كثيرًا في الخطاب السياسي اللبناني، وغالبًا ما تُقدَّم كحلّ بديهي لأزمة الدولة، لكنها تصطدم بجملة من العوامل المتشابكة :

1- هوية تأسيسية قائمة على المقاومة المسلحة؛

2- ارتباط عقائدي وتنظيمي بمحور إقليمي؛

3- وظيفة استراتيجية تتجاوز حدود لبنان؛

4- دور داخلي في توازنات السلطة.

هذه العناصر تجعل السلاح أكثر من مجرد أداة يمكن التفاوض عليها، بل جزءًا من منظومة كاملة يصعب تفكيكها بقرار سياسي أو ضغط داخلي.

لذلك، قد يكون السؤال الأدق ليس: متى سيتخلى حزب الله عن سلاحه؟ بل، هل يمكن أصلًا لهذا الحزب، كما هو قائم اليوم، أن يوجد من دون هذا السلاح؟

حتى الآن، لا تشير الوقائع إلى ذلك، والأرجح أن هذا الواقع لن يتغيّر ما لم تتغيّر الشروط التي أنتجته.

فضيل حمود -جنوبية

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا