تصعيد دموي في جنوب لبنان: غارات إسرائيلية توقع 5 شهداء.. وحزب الله يردّ بالمسيّرات
وَهم الانتصار... ووَهم المفاوضات!
بعد مُطلق أي حرب، تعكس المفاوضات التي تُعقد بغرض الوصول إلى سلام، أو أقلّه إلى تسوية، الواقع الميداني على الأرض، بحيث أنّ الفريق الرابح يفرض شروطه على الفريق الخاسر. وبما أنّ كلًا من إيران والولايات المتحدة الأميركية ادعيا الانتصار في جولة الحرب الأخيرة بينهما، تمسّك كلّ منهما بشروط بدت تعجيزية للفريق الآخر، الأمر الذي أفشل مفاوضات باكستان. فهل فعلًا جاءت نتيجة الحرب رمادية، وماذا عن المفاوضات الخاصة بلبنان؟ وكيف ستتجه الأمور في المرحلة المقبلة؟
لا شكّ أنّ حرب الشهر ونصف الشهر التي خاضتها أميركا وإسرائيل ضُدّ إيران لم تكن كافية لإسقاط النظام الإيراني، وهي لم تكن كافية لإفراغ مخازن إيران من الصواريخ الباليستية، الأمر الذي مكّن طهران من ادعاء الانتصار، على الرغم من الدمار الهائل الذي لحق بالجزء الأكبر من بناها التحتية العسكرية. في المقابل، وبما أنّ الولايات المتحدة الأميركية فشلت من جهتها بفتح مضيق هرمز وتأمين حرية الملاحة، صار إدعاء واشنطن بالانتصار محط سخرية مماثلة للسخرية من انتصار ايران التي خسرت معظم قوّاتها الجويّة والبحرية وثكناتها ومصانعها العسكرية، الخ. وفي ظلّ هذا الواقع، لم تنجح مفاوضات إسلام آباد، لأنّ الفريقين تمسّكا بشروطهما المبنية على وهم الانتصار. وطالما أنّ نتيجة الحرب رمادية فإنّ أي جولة تفاوض مقبلة بين الفريقين سيكون مصيرها مُشابهًا للجولات السابقة الفاشلة حتمًا. فحسم أي مفاوضات، وحتى التوصّل إلى أي تسوية، يجب أن يسبقه تفوّق ميداني على الأرض، ولوّ بشكل جزئي، لأحد الفريقين. وفي حين ظّنت إيران أنّها بمحاولة فرض تحكّمها على حركة السفن في مضيق هرمز، ستتمكّن من نيل تنازلات من جانب واشنطن، تحرّك الرئيس الأميركي دونالد ترامب بسرعة لسحب هذه الورقة من يد طهران، عبر العمل على أن تكون البحريّة الأميركية هي المُتحكّمة بالمضيق، لضرب عصفورين بحجر واحد، إيران من جهة، والدول الغربية التي يُفترض أن تتحرّك على الأرض لاستعادة حريّة الملاحة من جهة أخرى.
وبالانتقال إلى لبنان، فإنّ فرص نجاح أي مفاوضات مقبلة مع إسرائيل ليس أفضل حالًا على الإطلاق، بسبب غياب هوية الرابح والخاسر بشكل واضح وحاسم. فإسرائيل، وخلال حربها المَفتوحة على "حزب الله" من دون توقّف منذ اقترافه الخطأ الإستراتيجي الجسيم بالانخراط في حرب إسناد غزة في 8 تشرين الأوّل 2023، نجحت في تصفية كامل قيادة "الحزب" مع الآلاف من مقاتليه وفي تدمير الكثير من منشآته، لكنّها فشلت في المقابل في وقف إطلاقه للصواريخ، وفشلت في تحقيق تقدّم برّي ساحق، على الرغم من التقدّم الميداني والاحتلال العمليّ أو بالنار لنحو 5 % من مساحة لبنان الإجمالية. وجعل هذا الأمر نتيجة الحرب الكليّة رمادية أيضًا، وتحمل التأويل-أقلّه حتى تاريخه. والمُشكلة في لبنان تتجاوز رمادية نتيجة الحرب، كما هي الحال في الحرب مع إيران مثلًا، وهي تطال فكرة التفاوض المباشر التي يرفضها "حزب الله" من أساسها، ويعمل على عرقلتها وإفشالها في مهدها. وحتى لو نجحت السلطة في عقد جولات تفاوضية، فإنّ السُلطة تفتقر لما يمكن أن تُقدّمه، كونها لا تمسك بزمام المبادرة على الأرض، ولا بقرار الحرب والسلم. وبالتالي، أي تعهّد من قبلها لا يُمكن صرفه على أرض الواقع، فكيف يمكنها نيل أي تنازل من الجانب الإسرائيلي على صُعد وقف الهجمات، والانسحاب من الأراضي المحتلة، والإفراج عن الأسرى، وغيرها من المطالب، طالما أنّ قرار الحرب من عدمه، واستمرار القتال من توقفه، بيد "حزب الله"، وإيران من خلفه؟!
في كلّ الأحوال، الأيّام المقبلة حاسمة على المستويين المحلّي والإقليمي، فهي ستُعطي فكرة عن الاتجاه الذي ستسلكه الأمور بالنسبة إلى العديد من الملفات. وإذا كانت أنظار العالم شاخصة على طبيعة تطوّر المواجهة بين واشنطن وطهران في المرحلة المقبلة، لما لها من انعكاسات هائلة على منطقة الشرق الأوسط، والخليج العربي، والعالم ككل، فإنّ أنظار اللبنانيّين تتركّز على جبهات قتال الجنوب، وآمالهم معقودة على ألا يذهب لبنان "فرق عملة"–كما يُقال، في المشروعات الكبرى التي تُحاك لكامل منطقة الشرق الأوسط، بسبب الانقسام العمودي فيه.
في الخلاصة، يُمكن القول إنّ وهم الانتصار المتبادل أفشل مفاوضات باكستان... والخيارات اليوم باتت مفتوحة على كل الاحتمالات، بحيث أنّ الواقع الميداني الحالي لا يمكن أن يستمرّ طويلًا، فما لم تحصل تنازلات من فريقي المواجهة، أي واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى، تحت وطأة ضغط التدهور الاقتصادي والتضخّم المالي على المستوى العالمي، فإنّ التحديّات والتهديدات المتبادلة بينهما، والتي من المرتقب أن تتصاعد مُجدّدًا في الأيام المقبلة، يمكن أن تقود إلى انفجار عسكري جديد، وإلى جولة أخرى من القتال. وفي لبنان، لا تحمل الوقائع الحالية أي ايجابيّات، بل العكس هو الصحيح، حيث أنّ السلبيات تطغى على الواقع الميداني، وعلى الوضع السياسي الداخلي المفتوح بدوره على احتمالات عدّة.
ناجي البستاني -النشرة
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|