الصحافة

يا سلام سلّم عسلامهم يا سلام..

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

ليس ما جرى أمام السراي الحكومي مشهدًا عابرًا: فالمظاهرة في وجه رئيس الحكومة نواف سلام، ذكرتني بأغنية "أرضي عم بتقاسي" للكبير وديع الصافي، وكأنها لم تُغنَّ في زمنٍ مضى، بل كُتبت لهذا اليوم تحديدًا. وجدتُها، ببساطة، تصف ما نعيشه بامتياز. (رابط الأغنية).

"بيكفينا مآسي… وعود وكلام"… ليست هذه مجرّد كلمات، بل اختصار لوطنٍ تعب من الانتظار، ومن تكرار المشهد نفسه: حرب تتكرّر، وسلام يُؤجَّل، ودولة تُمنع من أن تقرّر.

في هذه الأغنية، لا يبدأ السلام من السياسة، بل من "طلاب المدارس… وأجراس الكنائس… وأصوات الآذان"، أي من الإنسان، من التربية، من التلميذ الذي يُفترض أن يكبر على فكرة الدولة، لا على فكرة الساحة. لكن هذا التلميذ نفسه، عندما يكبر، يجد نفسه في بلد لا يقرر، بل يُدار، ولا يختار، بل يُفرض عليه.

وهنا المفارقة التي لا يمكن تجاهلها: نحن اليوم أمام رئيس حكومة اسمه سلام، يطرح خيار السلام، لكنه يُواجَه وكأنه يرتكب خطيئة. ليس لأنه أخطأ، بل لأنه قرّر أن يسلك طريق الدولة: الدبلوماسية، التفاوض المباشر، وتحمل المسؤولية باسم لبنان، لا بإسم أي محور.

ما جرى بالأمس لم يكن مجرّد اعتراض سياسي. كان مشهدًا غير مقبول بكل المعايير. تهديد واضح، مباشر، لرئيس حكومة لأنه اختار أن يتصرّف كرجل دولة. والسؤال هنا ليس سياسيًا بل بديهي: بأي حق يُهدَّد رئيس حكومة لأنه يريد التفاوض المباشر؟ بأي صفة يقرّر البعض ما يُسمح وما لا يُسمح للدولة أن تقوم به؟

لنكن صريحين وواضحين: من تحسبون أنفسكم؟ هل أنتم الدولة؟ أم فوق الدولة؟ أم بديلاً عنها؟

إذا كنتم تظنون أنكم أكثر عددًا، أو أكثر فهمًا، أو أكثر حقا في القرار، فهذه ليست ديمقراطية، بل فرض أمر واقع. والمعادلة هنا لا تحتمل التجميل: نحن نريد السلام، الحياة، القانون، والدولة. وأنتم، بخياراتكم، تدفعون نحو العكس، نحو استمرار منطق الساحات المفتوحة، حيث القرار ليس في بيروت.

"نحنا ما اعتدينا ولا أذينا حدا… وبيحكوا بالسلام"

هذه الجملة تختصر المأساة: يُطلب منا أن نتحمل الحرب، لكن لا يُسمح لنا أن نختار السلام.

الأخطر من ذلك، أن ما يُطرح ليس مجرد رفض لخيار سياسي، بل رفض لفكرة أن الدولة هي التي تقرر. هناك من يريد السلام، نعم، ولكن بشروطه، عبر وساطته، وضمن حساباته الإقليمية. أي سلام… إلا أن يكون لبنان هو من يصنعه.

أما مشهد الشارع، بما فيه من شعارات وصور واستعراضات، فهو ببساطة مشهد مشمئز وسخيف وبعيد كلّ البعد عن الحضارة. ليس لأنّ الناس عبّرت عن رأيها، بل لأنّ التعبير تحوّل إلى تهديد، إلى محاولة إخضاع، إلى رسالة واضحة: القرار ليس لكم.

لن أدخل في تحليل نفسي أو اجتماعي، لكن الواضح أن هناك من لا يحتمل فكرة الدولة. لأن الدولة تعني شيئًا واحدًا: أن القرار لا يكون بالسلاح، ولا بالشارع، بل بالمؤسسات.

وهنا نصل إلى ما هو أخطر وكما يقول البروفسور أنطوان مسرّة بأنه لا تزال ذهنية "المعليشية" قائمة، لا كظاهرة سياسية فقط، بل كحالة نفسية عميقة تحتاج إلى معالجة. ولا تزال قوى مذهبية نابذة لفكرة الدولة ومركزيتها، تتصرف كقوى طاردة لها، ما يشكّل خطرًا وجوديًا على لبنان. الأخطر أن هذا المسار يتم أحيانًا تحت غطاء ديني، وبغياب إدراك حقيقي لما يعنيه اغتيال الدولة نفسها. فالدولة ليست تفصيلاً، بل ثمرة مسار تاريخي طويل، واغتيالها ليس حدثاً سياسيًا عابرًا، بل بابًا مفتوحًا على الفوضى.

وهنا تبرز الحقيقة الصعبة: هذا لم يعد خلافًا سياسيًا عاديًا، بل صراع بين مشروعين. مشروع يريد دولة تقرر، ومشروع يريد ساحة تُدار. مشروع يريد سلامًا يصنعه اللبنانيون، ومشروع يريد أن يبقى لبنان جزءًا من معادلات أكبر منه والحفاظ على ستاتيكو status quo.

فإذا كان هذا هو الواقع، فلنكن واضحين حتى النهاية: لا يمكن فرض خيار على شعب لا يريده. لا يمكن جرّ بلد إلى مسار يرفضه نصفه على الأقل. وإذا استمر هذا الفرض، فإن الحل لن يكون بالمواجهة، بل بالفصل.

لكلّ منا بيئته، طريقته، ومبادئه. نحن نريد دولة وسلامًا وحياة طبيعية. وأنتم تريدون شيئاً آخر. فلنقلها بصراحة: لنحلّها بهدوء، حتى لو كان ذلك يعني العيش في كانتونات مختلفة داخل لبنان، بدل أن يُفرض خيار واحد بالقوة على الجميع.

"وصرت بعمر بيي… وعمري بعده ناطر عابواب السلام"

كبرنا… وما زلنا ننتظر.

فإلى متى؟

إلا إذا كان مفهومكم للسلام… كمفهومكم للانتصار.

عندها، لن أقول إلا كلمة واحدة:

سلام

بولا أبي حنا -نداء الوطن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا