الصحافة

الفخّ اللّبنانيّ أطبق على إيران

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

أصرّت إيران على وقف إطلاق النار بين إسرائيل و”الحزب” كشرطٍ مسبقٍ لبدء المحادثات مع الولايات المتّحدة، منتحلةً صفة الانسجام الاستراتيجيّ مع الذات. فـ”الحزب” يظلّ الميليشيا الوحيدة المتبقّية لطهران بقدرات عمليّاتيّة معقولة. وهو، بعد ستّة أسابيع من الضربات الأمريكيّة والإسرائيليّة عليها التي افتُتحت بقتل علي خامنئي وقوّضت البنية التحتيّة العسكريّة، وحطّمت هندسة الردع، الورقة الوحيدة التي ظنّت طهران أنّها قادرة على التمسّك بها كدرع ضدّ إعلان الهزيمة الفوريّة والشاملة.

بيد أنّ هذه الورقة، الأقوى بين أوراق إيران بعد مضيق هرمز، استحالت فخّاً للجمهوريّة الإسلاميّة، وصفعة لحلفائها اللبنانيّين.

لعقود، سوّقت إيران لـ”الحزب” باعتباره محور “محور المقاومة”، والدليل الحيّ على أنّ المشروع الثوريّ للجمهوريّة الإسلاميّة يمتلك مدىً إقليميّاً ورسالة حضاريّة. لكن بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، والحرب الممتدّة مذّاك لتحطيم كامل حلقات المحور، انتقل “الحزب” من كونه العلامة التجاريّة الأولى لإيران، ليصير هويّةً من هويّاتها الأساسيّة. ولئن كانت الهويّات، كما نعلم، أفخاخاً وسجوناً، لم تكن إيران قادرة، مع حلول لحظة إسلام آباد، على التفاوض من دون “الحزب”، لأنّها لم تكن قادرة على تفسير وجودها من دونه، وهذا بالضبط ما أرادت واشنطن من طهران الاعتراف به.

إقرار بالواقع الجديد؟

لم تكتفِ الولايات المتّحدة وإسرائيل بقراءة المشهد بدقّة، وبرفض الشرط الايرانيّ المسبق تماماً. فبعد ساعات فقط من دخول وقف إطلاق النار مع إيران حيّز التنفيذ، شنّت إسرائيل أعنف موجة ضربات على لبنان منذ أيلول 2024، مستهدفةً مئات الأهداف من دون سابق إنذار، وخارج الجغرافيا التقليديّة للحرب في الجنوب أو البقاع أو الضاحية.

حتّى الآن لم تُعرف إلّا هويّات عدد قليل من المدنيّين الذين سقطوا في أحد أكثر الأيّام دمويّة في هذه الحرب، وسط معطيَين: إسرائيل تقول إنّها نفّذت عمليّة أمنيّة نوعيّة، تشبه عمليّة تفجير البيجرز، و”الحزب” و”أمل” يفيضان بنعي أعداد غير مألوفة من المقاتلين والقيادات. ولو قارنّا بين ما حصل الأسبوع الفائت والغموض الذي يلفّ معظم هويّات من قضوا، وبين قدرة اللبنانيّين على كشف هويّات ضحايا تفجير المرفأ بعد ساعات أو أيّام قليلة من الهجوم، لاتّضح أنّنا أمام لحظة غير مألوفة في غموضها، تعزّز الرواية الإسرائيليّة أنّ معظم من قضوا هم نشطاء عسكريّون، إلى جانب عدد غير محظوظ من المدنيّين العزّل.

في كلّ الأحوال فإنّ إسقاط إيران لشرط وقف إطلاق النار في لبنان، رغم الضربة الضخمة، وإتمام جولة التفاوض التي لم تفضِ إلى نتائج، هو إقرار إيرانيّ بالواقع الجديد ومفاده أنّ “الحزب” ليس عنصراً في لعبة التفاوض، بل هو هدف قائم بحدّ ذاته، للحرب القائمة.

ما لم تتوقّعه إيران، أو اقتنعت بعدم قدرتها على إجهاضه حتّى الآن، هو أنّ لبنان اختار أن يتصرّف كدولة سياديّة وجدت أخيراً فرصة للعمل بعزيمة مؤسّسيّة حقيقيّة. دولة تدرك أنّ الطريق الوحيد للسيادة يمرّ عبر فكّ الارتباط بينها وبين ميليشيا إيران في لبنان.. عبَّر عن ذلك الاتّصال بين سفيرَي لبنان وإسرائيل في واشنطن، والبدء عمليّاً بالتفاوض اللبنانيّ الإسرائيليّ المباشر حول وقف إطلاق النار وأطر العلاقة المستقبليّة بين البلدين، وفتح الباب أمام ترتيب موقع لبنان في النظام الإقليميّ، وعلاقته بإسرائيل، وبالتالي علاقته بما ستؤول إليه إيران بعد هذه الحرب. فالهدف ليس إنهاء الحرب الحاليّة فحسب، بل تكريس الانفصال الهيكليّ بين لبنان والمشروع الإيرانيّ، وإنهاء المبرّر السياسيّ لوجود “الحزب”، وكذبة التعايش بين سيادة الدولة ودويلة مسلّحة.

يكمن الفخّ في أنّ كلّ مطلب إيرانيّ بالربط بين ملفّات لبنان وملفّات إيران يوفّر فرصة لإظهار عجز طهران لا قوّتها، لأنّ مثل هذا المطلب لم يعد أكثر من محاولات يائسة عبر الدبلوماسيّة لحماية إطار “وحدة الساحات” الذي لم تحمِه القدرات العسكريّة. ولئن ترافقت البلاغة المقاوماتيّة الشرسة في طهران وبيروت، مع وصول محمّد باقر قاليباف إلى إسلام آباد، تبدّى عمق الفجوة بين الأقوال والأفعال، وهي فجوة عميقة بما يكفي لدفن المصداقيّة الاستراتيجيّة الإيرانيّة.

انتهى زمن المحور

أعود إلى حيث بدأت. لم تكذب إيران حين سعت لجعل لبنان شرطاً مسبقاً للمحادثات. فهي حقاً لا تستطيع التخلّي علناً عن “الحزب” من دون تدمير شرعيّتها الداخليّة وسرديّتها الإقليميّة. لكنّ النتيجة الاستراتيجيّة كانت إهداء إسرائيل والولايات المتّحدة أداة لفضح العجز الإيرانيّ على الملأ “وشرشحة” أداء طهران الاستعراضيّ، عبر إجبارها على الاختيار بين الادّعاءات والمصالح الملحّة. الأهمّ من ذلك، وربّما الأكثر تدميراً، منح الدولة اللبنانيّة الغطاء السياسيّ للتفاوض بشكل منفصل.

كلّ اتّصال دبلوماسيّ لبنانيّ-إسرائيليّ يحدث الآن رغماً عن اعتراض إيران. وكلّ خطوة نحو إطار تفاهم أمني بين لبنان وإسرائيل تفكّ ارتباط العاصمة اللبنانيّة بطهران. وكلّ ضمانة أميركيّة تُمنح للبنان تجذبه أكثر نحو نظام يلفظ النفوذ الإيرانيّ. لقد بنت إيران هندستها الإقليميّة على التبعيّة اللبنانيّة، وهي تشاهد الآن الفاعليّة اللبنانيّة، مهما كانت هشّة أو متنازعاً عليها، تخرج من تحت أنقاض حرب لم يستطِع وكيلها أن يمنعها، ولم تستطِع هي أن تحميه.

كان من المفترض أن يُبقي “الفيتو الإيرانيّ” لبنان داخل المحور، لكنّه بدلاً من ذلك، حوّل لبنان إلى الدليل القاطع على أنّ زمن المحور قد انتهى.

الفخّ لم يُطبق على لبنان.. لقد أطبق على إيران.

نديم قطيش - اساس ميديا
 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا