الصحافة

المستقبل: لامركزية موسّعة أو فيديرالية أو تقسيم... وحروبٌ مستمرّة؟

Please Try Again

ads




انطلاقاً من اقتناع قيادات مسيحية مهمّة بأن "حزب الله" مأزوم الآن في لبنان رغم قوّته العسكرية الكبيرة والتفاف شعبه حوله بل حول "الثنائية الشيعية" التي تضمّه و"حركة أمل"، ومن اقتناع آخر بأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية بدأت تخسر من جرّاء الاحتجاجات الشعبية التي انطلقت قبل أكثر من ثلاثة أشهر في معظم محافظاتها، وهذا ما عكسه "الموقف هذا النهار" يوم أمس بالاستناد الى معلومات دقيقة حصل عليها، انطلاقاً من ذلك يبدو أن القيادات نفسها وضعت نفسها بين خيارين. الأول أن تحقّق فوزاً على الساحة السياسية الداخلية بانتخاب رئيس جديد للجمهورية تؤيّده ولا يرضى عنه أخصامها أو أعداؤها وفي مقدّمهم "حزب الله".

أما الخيار الثاني فهو الذهاب الى "الخيارات القصوى" مثل اللامركزية الإدارية والإنمائية والمالية الموسّعة أو الفيديرالية الأكثر اتساعاً منها. طبعاً هناك خيار ثالث حقيقي وإن غير مُعلن لكنه موجود في عدد من الرؤوس المسيحية الحامية هو التقسيم. إلا أن أحداً لا يتكلّم عنه علانية لأنه "ينقّز" شعوب لبنان كلها وأحزابها وقادتها ولأنه يقضي في صورة نهائية على اتفاق الطائف رغم العلّة شبه المُميتة التي أصابته من زمان جرّاء عدم رغبة من أوكل إليه تنفيذه في القيام بهذه المهمة، و"نقزة" غالبية المسيحيين منه حتى الذين منهم أيّدوه ودفعوا دماً جرّاء ذلك، كما رفض الشيعة له (أي الطائف) ثم قبولهم إياه على مضض لأسباب متنوّعة يعرفها اللبنانيون. يُضاف إليها سبب آخر يعبّر عنه المثل اللبناني "خذ المتيسّر وطالب بالمتعثّر" أو اسعَ الى تحقيقه ثم تابع السعي الى تنفيذه. هذا ما يعيشه اللبنانيون اليوم رغم أن الرافضين حضّروا الأرض لنقل لبنان الى "اتفاق صيغوي" آخر.

لكنهم أحجموا ولا يزالون محجمين عن الاعتراف بذلك كما عن الإفصاح عن مضمون الاتفاق المشار إليه. يبقى السنة والدروز، فالأولون متمسّكون بالطائف الى الآخر لكن هل هم قادرون في وضعهم الحالي كما في الوضع اللبناني المشرذم على فرض استمرار الالتزام به والعمل لإنجاز تطبيقه في ظل الرفض الشيعي الضمني له ويأس المسيحيين الضمني والعلني في آن واحد واستيقاظ المشروعات اللامركزية الموسّعة؟ أما الدروز فإنهم متمسكون بالطائف فعلاً لكن لا أحد يعرف الموقف الذي سيتخذونه في النهاية إذا وصلت شعوب لبنان الى مرحلة الخيارات "الصيغوية" المتنوّعة والصعبة في آن واحد. لا أحد يستطيع الجزم بموقف لهم حيال هذه المرحلة، لكن عندهم ما يكفي من البراغماتية للتعايش مع أيّ صيغة يتفق عليها الجميع أو يفرضها شعب أو أكثر على الآخرين وذلك للمحافظة على الدور والوجود كما للانتظار في ظل اهتمام إقليمي ودولي بهم لا بأس به.

هل الكلام عن الخيارات المسيحية المفصّلة أعلاه تبصير أو بروباغندا أو حملة على الذين يفكّرون فيها؟ الجواب هو كلا فالجهات السياسية المسيحية المتنوّعة تناقش ذلك كله وتحاول تغطية رغبتها فيها بإطلاق تسميات "مخفّفة" عليها مثل اللامركزية الموسّعة المالية. والجهات غير السياسية تطرحها علناً وباسمها أي الفيديرالية. إلا أن أحداً لم يذكر التقسيم رغم أنه يُتداول أحياناً كحل أخير إذا وصلت الشعوب اللبنانية الى الطريق المسدود ولكن في لقاءات صغيرة ومقفلة. يبدو أن عدداً من الديبلوماسيين العاملين في لبنان يعرفون ذلك ويمتلكون المعلومات اللازمة عنه.

إلا أن السؤال الذي يُطرح هنا هو من يطبّق هذه الحلول الصعبة والمتباينة مواقف اللبنانيين منها؟ والسؤال الآخر الذي يُطرح هو هل يمكن تطبيقها أو تنفيذها من دون قرار بذلك ودعم من الجهات الدولية والإقليمية المعنية بالمنطقة والحريصة على أن يتواءم أي حل أو تسوية أو صيغة للبنان مع ما سيرسو عليه الإقليم بعد توصل هذه الجهات الى نظام له والى تسويات أو حلول للمشكلات الصعبة التي يعيشها بعض دوله؟ لا جواب دقيقاً عن السؤالين. لكن متابعي الأوضاع في لبنان من خارج يشكّون في أن تُطبّق هذه الحلول أو أي منها على البارد. فاللامركزية الموسّعة جداً والفيديرالية على الطريقة اللبنانية أو على طريقة العالم الثالث ليس فيهما شيء من رقي فيديراليات العالم الأول، إذ يتساوى مواطنوها في الإقامة في أي كانتون أو إقليم أو محافظة من دون أن يسألهم أحد عن جنسيتهم وإثنيتهم ودينهم ومذهبهم. ذلك أنها ستحشر كل شعب أو معظمه في إقليم واحد رغم القوانين التي قد تكون نسبياً جيدة. يخلق ذلك "ميني دول" "نقزانة" من بعضها. ويجعل "الأقليات" الطائفية والمذهبية في كل إقليم "موسوسة ومسرسبة" وخائفة على مستقبلها، فضلاً عن أنها تصبح واقعياً جزءاً من إقليم آخر تابعة له فعلاً وأداةً له. ولا حل لهذه المشكلة إلا بالعدل والمساواة. علماً بأن كثيرين من المتشدّدين داخل كل شعب قد يفكّر "بالترانسفير" أي نقل المختلفين عن الأكثرية الى المناطق التي هم فيها أكثرية. هذا الأمر ليس سهلاً. فمن يتخلّى عن قراه وعن أراضيه وعن وطنٍ عاش فيه مئات السنين بسهولة؟ وهل من يتجرّأ على تنفيذ "الترانسفير" بالقوة، إذ إنه سيؤدّي الى حرب طاحنة تطيح كل شيء. علماً بأن المطالبين بالفيديرالية ولاحقاً التقسيم إذا صار خياراً يعرفون أن الوضع القائم اليوم في البلاد يؤكد وجود شعب قوي ديموغرافياً ومالاً وسياسةً وعسكراً ومتفوّق في كل ذلك على الشعوب الأخرى بل على الدولة قبل أن تصبح أشلاءً وبعدما أصبحت كذلك. وهو "أي الشعب القوي" قد يسهّل أمور الفيديرالية أو اللامركزية الواسعة لا حباً بها بل اقتناعاً منه بأنه موجود داخل أقاليم الشعوب الأخرى وعلى حدودها، وبأنه سيكون قادراً على قيادة الدولة الفيديرالية (دفاع – سياسة خارجية – نقد) وعلى جعل الأقاليم الأخرى تابعة له على نحو غير مباشر.

ربما يظن بعض دعاة الفيديرالية ومشتقاتها أن أقاليمهم ستتمتع بحمايات خارجية إقليمية أو دولية. وهذا صعب وهو غير مجدٍ حتى في حال حصوله. أما التقسيم الذي لا يتحدّث عنه من يفكّرون فيه إلا همساً وكخيار أخير فلا أمل في نجاحه لأن إسرائيل واحدة تكفي الإقليم، ولأن أي دولة على قسم من لبنان لن تكون حاجة الى الدول المهمة فيه كما الى العالم.

في النهاية لم تصل المنطقة حتى الآن الى ساعة حسم الخيارات قبل الانتقال من حروب متنقّلة وفوضى مشرّعة الى مرحلة سلام وإعادة بناء. لذا على اللبنانيين أن يرتبوا أمورهم بأنفسهم لأن العالم القريب والبعيد تعب منهم. فالفساد معشّش في منظوماتهم السياسية وأحزابهم ودولتهم، والأخطر من ذلك أنه معشّش في شعوبهم بعدما صار كل شعب منهم أسير قيادته الواحدة أو قياداته المتناحرة وأداةً لفسادها.

"النهار"- سركيس نعوم ads




Please Try Again