قروض بالملايين "ضاعت"... وإلغاء توسعة أوتوستراد جونية!
مشروع توسعة أوتوستراد جونيه A1 الذي كان يُعوّل عليه للتخفيف من «اختناق» السير على الأوتوستراد، بالإضافة إلى 5 مشاريع حيوية مثل الصرف الصحي في منطقة كسروان، كلها فرص فَوّتها لبنان عليه بسبب ضياع القروض والهبات التي كانت مرصودة لها بقيمة نحو 494 مليون يورو من مموّلين دوليين. مجلس الوزراء اتخذ في 30/1/2026 (أي قبل بدء حرب إسناد إيران)، قرارًا بالموافقة على طلب مجلس الإنماء والإعمار بإلغائها وليس تأجيلها. لماذا؟ من هي الجهة المموّلة لتلك القروض؟ وهل يمكن استخدام الأموال المرصودة لمشاريع ذات غايات أخرى؟
كان من المتوقع قبل توسّع رقعة الحرب في شهر آذار أن يتمّ السير بتوسعة أوتوستراد جونيه A والقيام بمشروع الصرف الصحّي في منطقة كسروان وغيرها من مشاريع حيوية، مولج مجلس الإنماء والإعمار بتنفيذها. إلا أن مجلس الوزراء اتخذ في نهاية شهر كانون الثاني قرارًا بالموافقة على طلب مجلس الإنماء والإعمار إلغاءها. الأمر الذي أثار تساؤلات حول سبب الإلغاء في زمن نحتاج فيه إلى فلس لبنيتنا التحتية المهترئة.
لم يأت مطلب مجلس الإعمار وقرار الحكومة لإلغاء (وليس تأجيل) ستة مشاريع حيوية عبثيًا أو لغايات محدّدة. فمطلب «الإنماء والإعمار» كما علمت «نداء الوطن» من مصدر مطّلع جاء بعد قرار البنك الأوروبي للتثمير EIB والوكالة الفرنسية للتنمية AFD وقف تزويد لبنان بالتمويل الموعود لعدد من المشاريع، أما مجلس الوزراء الذي وافق على هذا المطلب في قرار صادر عنه، عاد وطلب من الإنماء والإعمار السعي لدى مؤسسات التمويل العربية والدولية لتأمين تمويل جديد للمشاريع الملغاة قروضها. لماذا؟
يتردّد على مسامع البعض أن التفاوض مع البنك الأوروبي للاستثمار والمجموعة الدولية لإعادة النظر بقرار الغاء الاتفاقيات وعدم منح لبنان تلك القروض ما زال ساريًا، إلا أنه في ظلّ ظروف الحرب القائمة من المستبعد أن يتمّ التراجع عن قرارهما هذا. وبذلك يكون مطلب مجلس الإنماء والإعمار بإلغاء قروض 6 مشاريع حيوية وموافقة مجلس الوزراء على هذا المطلب، سببه «عدول الممولين الدوليين عن منح القروض للبنان، ما استدعى من مجلس الوزراء في قرار موافقته على طلب الغاء تلك التسليفات، الإيعاز إلى «الإنماء والإعمار» السعي للحصول على قروض من مؤسسات التمويل العربية والدولية لتأمين تمويل جديد للمشاريع الملغاة قروضها، نظرًا إلى أهمية السير بتلك المشاريع».
وحول ما اذا كانت المبالغ المحددة لاتفاقيات القروض يمكن تحويلها لاستخدامات أخرى، قال مصدر مجلس الإنماء والإعمار نفسه «إن كل اتفاقية قرض موقعة بين لبنان وإحدى مؤسسات التمويل EIB أو AFD تحدّد المشروع الذي سيموله القرض، لذلك من غير الجائز استخدام قيمة القرض لتمويل مشاريع أخرى غير المشروع المحدد في الاتفاقية».
إن اتفاقيات القروض تنصّ على الحالات التي تلغى فيها الإتفاقية، وبالتالي يشطب التمويل كليًا أو جزئيًا في حال كان الصرف من القرض قد بدأ قبل الإلغاء، علمًا أن معظم اتفاقيات التمويل تنصّ على أن تأمين المبالغ اللازمة لتنفيذ الاستملاكات للأراضي اللازمة للمشروع هو من مسؤولية الدولة اللبنانية. ولكن الغاء القروض لا يعني شطب تلك المشاريع وعدم إمكانية تنفيذها، بدليل إن فسخ اتفاقية التسليفات من قبل مجلس الوزراء ترافق مع طلب، تكليف مجلس الإنماء والإعمار العمل على تأمين التمويل للمشاريع نفسها التي ألغيت قروضها».
أسباب إلغاء القروض
بالنسبة إلى الأسباب التي دفعت مجلس الوزراء إلى اتخاذ قرار إلغاء قروض بعد اقتراح الوكالة الفرنسية للتنمية والبنك الأوروبي للتثمير إبطال الاتفاق على منح القروض في 22 كانون الثاني 2025 فهي عدّة وأبرز سببين هما:
- تخلّف الدولة اللبنانية بين عامي 2022 و 2024 ، عن تسديد أقساط وفوائد القروض الخارجية الموقعة مع معظم مؤسسات التمويل .
- عدم تأمين المبالغ اللازمة لتنفيذ استملاكات بعض المشاريع الممولة بقروض، بسبب الأزمة المالية والنقدية اعتبارًا من نهاية العام 2019.
وبما أن معظم اتفاقيات التمويل تنص على أنه، في حال تخلّف الدولة اللبنانية عن سداد مستحقاتها الواردة في إحدى الاتفاقيات، يصبح من حق المؤسسة التمويلية اعتبار جميع اتفاقيات التمويل، وليس فقط الاتفاقية موضوع التخلّف، بحكم الملغاة وهذا ما حصل ما أدّى إلى إقدام المؤسستين الدوليتين على شطب قروض للبنان.
المشاريع التي ألغيت
بالنسبة إلى المشاريع الستة التي ألغاها مجلس الوزراء بناءً على طلب مجلس الإنماء والإعمار والتي كان من المزمع المباشرة بها، نعدّدها كما جاء في المستندات التي تضمّنها محضر مجلس الوزراء والذي حصلت «نداء الوطن» على نسخة عنه، كما يلي:
1- الصرف الصحّي في وادي قاديشا: القرض رقم CLB 105401F بقيمة 34 مليون يورو من الوكالة الفرنسية للتنمية AFD. وقعت الاتفاقية في 16/5/2018 وصدر القانون عام 2019 والمرسوم عام 2021 . أُبطل المشروع بسبب عدم توفر اعتمادات لتأمين تمويل تعويضات الاستملاكات وعدم قدرة السلطات المحلية على توفير المواقع المطلوبة لزوم محطات الضخ ومحطات التكرير، والتأخير في الإجراءات نتيجة الأزمات المتكرّرة.
2- الصرف الصحّي في منطقة كسروان: القرض رقم FI N.24.916 بقيمة 70 مليون يورو من البنك الأوروبي للتثمير EIB. وقعت الاتفاقية في العام 2009 وصدر القانون في 2011 .
3- أوتوسترادات لبنان المرحلة الثانية (توسعة أوتوستراد جونيه A1): القرض رقم FI N.82.161 بقيمة 75مليون يورو من البنك الأوروبي للتثمير. وقعت الاتفاقية في كانون الأول 2012 وصدر القانون عام 2015 والمرسوم التطبيقي في تشرين الثاني 2015.
4- الصرف الصحّي في حوض الغدير (القرض رقم FI N.84.185 ) بقيمة 68,500 مليون يورو من البنك الأوروبي للتثمير. وقعت الاتفاقية في 2018 وصدر القانون في تشرين الأول 2018 ومرسوم الإبرام بعد شهر.
5- مشروع الطرقات والعمالة: القرض رقم FI N.89.857 بقيمة 151,100 مليون يورو ومموّل من البنك الأوروبي للتثمير. وقعت الاتفاقية في أيلول 2019 وصدر القانون في كانون الأول 2023.
6- شبكات الصرف الصحّي في الحوض المائي لطرابلس الكبرى: القرض رقم FI N.89.004 74 بقيمة 96 مليون يورو من البنك الأوروبي للتثمير. 74 مليون يورو من إجمالي المبلغ، وقعت الاتفاقية المتعلقة به في تشرين الأول 2019 ولم يتمّ إرسالها إلى المجلس النيابي. أما مبلغ الـ 18 مليون يورو وهو من البنك نفسه فصدر مرسوم الهبة العينية في تشرين الأول 2020. وهبة الـ 4 ملايين يورو، صدر مرسوم الاتفاقية المتعلّقة بها في كانون الأول 2020.
أما أسباب الغاء المشاريع الخمسة الأخيرة فهي: توقيع الاتفاقيات قبل فترة طويلة وعدم بدء السحب منها، تعثر الدولة اللبنانية عن السداد خلال الفترة السابقة. واعتبار البنك الأوروبي للتثمير أنه يمكن إعداد مشاريع اتفاقيات جديدة لهذه المشاريع فور تفّر الشروط المالية والاقتصادية والنقدية المطلوبة من الدولة اللبنانية.
إذًا، بين تلكؤ الدولة اللبنانية منذ سنوات عن القيام بالمترتبات المتوجّبة عليها، وعدم توفّر الإعتمادات... وتخبّطها بالأزمة المالية منذ 2019 وعدم إنجازها أية إصلاحات مطلوبة منها في وقتها، ضاع تمويل تلك المشاريع الحيوية والضرورية. ولم يبقَ أمام مجلس الإنماء والإعمار حاليًا حين تنتهي حرب 2026، سوى البحث عن مصادر تمويل أخرى من الصناديق العربية لإنجاز تلك المشاريع الحيوية التي أولاه إيّاها مجلس الوزراء في قراره الصادر في نهاية كانون الثاني 2026. إلا أن هذه المهمّة ستتمّ المباشرة بها حتمًا عندما تستكين الحرب وتهدأ الأحوال في البلاد، إذ لن تقبل أي جهة تمويل إنشاء مشاريع حيوية في البنية التحتية في لبنان في ظلّ الحرب والدمار القائمين.
باتريسيا جلاد - نداء االوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|