طوني خليفة يفاجئ نديم قطيش : لماذا أنت إسرائيلي أكثر من الإسرائيلين ؟
سوريا بعد انهيار المفاوضات: مساحة تتقاطع فيها خطوط الضغط
بعد انهيار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، ننطلق في هذه القراءة من لحظة تحول حاسمة في أساس الصراع الإقليمي، حيث أدى فشل جولة إسلام آباد في 11 أبريل/ نيسان الجاري، بعد مفاوضات طويلة ومكثفة لأكثر من عشرين ساعة، وبين وفود على مستوى من الثقل الأمني والاستخباري والعسكري والاقتصادي، إلى إعادة فتح الملفات الجوهرية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، والملاحة في مضيق هرمز، وشبكات النفوذ الإقليمي للطرفين، وضمانات الأمن الإقليمي، ضمن بيئة مشحونة تتزامن مع هشاشة وقف النار واستمرار المقاربة الإسرائيلية القائمة على تثبيت مناطق عازلة في محيطها، بما في ذلك الجغرافيا السورية، وهو ما يعيد تعريف موقع سوريا من دولة تتأثر بتداعيات الأزمة إلى عقدة مركزية في إدارتها وإعادة تشكيل توازناتها.
تعكس هذه المفاوضات فجوة عميقة بين تصورين متباينين في جوهرهما، حيث يسعى التصور الأميركي إلى تفكيك عناصر القوة الإيرانية، سواء على مستوى البرنامج النووي أو منظومات الصواريخ أو الامتدادات الإقليمية، وهو ما لم تنجح أميركا به على الرغم من انها قضت على قيادات من الصف الأول والثاني على مستوى عدة أجهزة عسكرية وأمنية وسياسية لدى طهران؛ في حين يعمل التصور الإيراني على تثبيت هذه العناصر ضمن إطار سيادي مقابل رفع العقوبات وتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، وهو ما يجعل التعارض بين منطق نزع القدرة ومنطق تثبيت السيادة تعارضاً هيكلياً أساسياً يقود بصورة مباشرة إلى انهيار المسار التفاوضي، ويدفع الصراع إلى الانتقال من حيز الدبلوماسية إلى مستوى إعادة تشكيل الوقائع الميدانية.
في هذا الانتقال، تتقدم الجغرافيا الوسيطة بوصفها أداة أساسية لإدارة الاشتباك، وتبرز سوريا في مقدمة هذه الجغرافيا، حيث تتحول إلى مساحة تتقاطع فيها خطوط الضغط الكبرى، وتُعاد صياغة وظيفتها ضمن توازنات جديدة تتجاوز حدودها الوطنية، لا سيما بسبب موقعها الجيوستراتيجي ومساحتها وتحكمها بممرات مهمة. تتعامل الولايات المتحدة مع المجال السوري بوصفه ممراً يجب ضبطه لمنع إعادة إنتاج النفوذ الإيراني، وتنظر إيران إليه كاحتياطي استراتيجي قادر على تعويض الخسائر في الساحات الأخرى، بينما تتعامل إسرائيل مع الجنوب السوري على وجه الخصوص كامتداد مباشر لمنظومة أمنها القومي، وهو ما يضع سوريا في موقع مركب يجمع بين الحاجز والممر وورقة التفاوض المؤجلة في آن واحد.
ضمن هذا السياق، تتحول سوريا من ساحة تتلقى نتائج الصراع إلى أداة تُستخدم في إعادة توزيع الضغط وامتصاص الصدمات وإعادة رسم التوازنات، حيث تتشكل قيمتها الجيوسياسية من قدرتها على التحكم في المساحات الرمادية، وضبط الحدود، وإدارة التداخل بين الأمني والاقتصادي، وهو ما يمنحها موقعاً وظيفياً جديداً داخل معادلة الصراع الإقليمي، ويجعل الجغرافيا السورية جزءاً من هندسة الصراع أكثر من كونها مجرد انعكاس له.
سوريا كعقدة تقاطع للضغط
ضمن هذا المشهد، يمكن ان نقرأ موقع سوريا من خلال ثلاث مقاربات استراتيجية مختلفة تتقاطع فوق الجغرافيا نفسها، وتتعامل مع الأرض السورية بوصفها منظومة حركة وتسليح وعمق خلفي أكثر من كونها مجرد حدود سياسية ثابتة، وهو ما يجعل قيمة سوريا تنبع من قدرتها على احتضان أو تعطيل أو إعادة توجيه هذه العناصر الثلاثة: التسلّح، الممرات والفضاء الخلفي.
ترى إيران في سوريا مساحة لإعادة التكيف الاستراتيجي مع الضغط الحاصل عليها سواء من أميركا وإسرائيل ودول الخليج العربي، حيث تتحول من قاعدة نفوذ تقليدية إلى بيئة مرنة لإعادة إنتاج النفوذ ضمن شروط أكثر تعقيداً لا سيما بعد سقوط نظام الأسد، الحليف الأكبر لطهران. يظهر هذا التحول بشكل خاص في إعادة تعريف مفهوم التسلّح، حيث لم يعد قائماً على تخزين مركزي أو نقل مكشوف، بقدر ما يعتمد على توزيع السلاح ضمن شبكات صغيرة، متنقلة، ومندمجة داخل المجال المحلي، ما يقلل من قابلية الاستهداف ويمنح القدرة على إعادة التجميع السريع عند الحاجة. في هذا السياق، تكتسب المعابر والممرات غير الرسمية التي لم تكتشفها الإدارة السورية الجديدة كلها أهمية مضاعفة، حيث تتحول الطرق الفرعية، والحدود المتداخلة، ونقاط العبور غير المعلنة والشبكات المحلية (العشائر) القائمة على اقتصاد التهريب بغض النظر عن الولاء إلى شرايين أساسية للحركة اللوجستية، وهو ما يجعل الجغرافيا السورية شبكة مفتوحة من المسارات المتغيرة بدل خطوط إمداد ثابتة.
بالتوازي، تتعامل طهران مع سوريا بوصفها فضاءً خلفياً قادراً على امتصاص الضغط وإعادة توزيع القوة، حيث يسمح العمق السوري بإعادة التموضع، وإخفاء الهياكل العسكرية، وإعادة إنتاج القدرة بعيداً عن خطوط الاشتباك المباشر عبر مجموعة خلايا نائمة، وهو ما يمنحها ميزة استراتيجية تقوم على المرونة بدل التمركز. وفي هذا الإطار، تستخدم سوريا كطرقات عبور لإعادة تشكيل البنية العسكرية نفسها، عبر الدمج بين المحلي والإقليمي، وبين العسكري والاقتصادي الخفي.
في المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى هذه العناصر نفسها من زاوية معاكسة تماماً، حيث ترى في سوريا عقدة يجب تفكيكها عبر التحكم بالممرات ومنع تشكّل العمق الخلفي، لا سيما بعد أن أوكلت مسألة ضبط الحدود للحكومة السورية وتخلت عن قاعدة التنف العسكرية، ما يدفعها إلى التركيز على ضبط الحدود والمعابر الرسمية وغير الرسمية، ومراقبة المسارات اللوجستية، وتقليص قدرة أي طرف على استخدام الجغرافيا السورية كقناة تسليح أو كفضاء لإعادة الانتشار. ضمن هذا التصور، تتحول المعابر إلى نقاط سيطرة استراتيجية، ويصبح التحكم بالحركة أهم من السيطرة على الأرض نفسها، حيث يعاد تعريف السيادة على انها القدرة على إغلاق أو فتح المسارات بدل احتكار المجال بالكامل.
كما تعمل واشنطن على تقليص وظيفة سوريا كحديقة خلفية عبر تقليل قدرتها على استيعاب الشبكات وإعادة إنتاجها، سواء من خلال الضغط الأمني، أو دعم نماذج ضبط محلية، أو فرض رقابة غير مباشرة على حركة الأفراد والموارد؛ لتتحول هنا العلاقة مع الدولة السورية إلى علاقة قائمة على الأداء الوظيفي، حيث يُقاس مستوى الضغط أو التخفيف بمدى قدرتها على ضبط هذه المسارات ومنع استخدامها كقنوات تسليح أو إعادة تموضع.
أما إسرائيل، فتتعامل مع هذا الوضع ضمن مقاربة أكثر حدة وعنفاً، حيث ترى في التسلّح والممرات والعمق الخلفي تهديداً يجب تفكيكه قبل أن يتحول إلى هياكل عسكرية مستقرة تربطها بإيران لا سيما في المناطق الحدودية مثل البوكمال في الشرق وبيت جن وبيت تيما وكفر حَور في ريف دمشق الغربي؛ ما يدفعها إلى اعتماد سياسة تقوم على استهداف سلسلة التشكّل كاملة، من النقل إلى التخزين إلى التموضع إلى الاستخدام كما في حالة " الجماعة الإسلامية" في كناكر وبيت جن جنوب غرب سوريا. في هذا الإطار، تتحول الطرق والمعابر (المصنع وجديدة يابوس كمعابر رسيمة وغيرها من المعابر غير الرسمية) إلى أهداف محتملة، ويصبح أي تحرك لوجستي، أو نقل سلاح، أو إعادة انتشار، جزءاً من منظومة الاستهداف الوقائي.
تتجاوز هذه المقاربة استهداف السلاح نفسه، لتصل إلى استهداف فكرة العمق الخلفي للنشاط الإيراني ونشاط حزب الله، حيث تسعى إسرائيل إلى منع سوريا من التحول إلى مساحة يمكن من خلالها إعادة إنتاج التهديد، عبر تقليص قدرتها على احتضان الشبكات، أو توفير بيئة آمنة لإعادة التنظيم. وبهذا المعنى، تُعاد هندسة الجغرافيا السورية كمساحة مكشوفة إلى حد كبير على اعتبار جبل الشيخ الآن تحت سيطرة الجيش الاسرائيلي، وتُقيد فيها الحركة، وتُراقب فيها مسارات التجمع والعمل المسلح، وتفرض عليها خطوط غير معلنة تحدد ما يمكن أن يمر وما يجب أن يُمنع.
إدارة التوازن على الأرض السورية
بالفعل تتحرك دمشق ضمن مشهد إقليمي معقّد يقوم على تقاطع ضغوط متعددة المستويات وكلفة كل مستوى أعلى من الآخر، ما يدفعها إلى تبني مقاربة دقيقة تقوم على إدارة التوازن بدل الانخراط في اصطفاف حاد، حيث تعمل على الحفاظ على مسافة محسوبة من إيران تضمن استمرار القنوات دون تحويل المجال السوري إلى امتداد مباشر. هذا بالفعل قد حصل من خلال غض النظر عن عدة مجموعات داخل الأراضي السورية لا سيما في مثلث الموت (محور تلول فاطمة وتل أحمر ومناطق الهبارية ودير ماكر) في الجنوب الغربي، وتأخير ضبط الخنادق في بيت جن وتأخير ضبط الانفاق في القصير والزبداني وغيرها؛ وفي الوقت نفسه تضبط مستوى الاحتكاك مع إسرائيل عبر تقليل نقاط التماس المكشوفة في القنيطرة ريف درعا الشمالي الغربي، وتفتح قنوات تواصل غير مباشرة مع الولايات المتحدة وأطراف إقليمية أخرى، بما يتيح لها الحفاظ على هامش مناورة داخل بيئة شديدة الحساسية وسريعة التحول.
تتجاوز هذه المقاربة البعد السياسي التقليدي، لتأخذ شكل إدارة تقنية أمنية للمجال الجغرافي السوري، حيث يتحول التركيز من فرض السيطرة الشاملة إلى التحكم في العناصر التي تُنتج القوة داخل هذا المجال، وفي مقدمتها الحدود، والمعابر، ومسارات الحركة، والتدفقات اللوجستية والتمويل والدعم التقني. ضمن هذا المسار، تعمل الدولة على إعادة تنظيم الجغرافيا السورية كشبكة من المساحات المُدارة وليس المساحات المضبوطة، حيث تُراقب الطرق، وتُدار نقاط العبور، وتُعاد هيكلة المسارات غير الرسمية، بما يقلل من قدرة أي طرف على استخدام الأرض السورية كقناة مفتوحة للتسلّح أو إعادة التموضع.
يأخذ هذا التحول بعداً أعمق عند النظر إلى ما يمكن تسميته بإدارة التدفقات، حيث تتحول الدولة من كيان يسعى إلى السيطرة على الأرض إلى كيان يسعى إلى التحكم في ما يمر عبرها، سواء كان ذلك سلاحاً، أو أفراداً، أو موارد، أو نفوذاً أو خدمات لوجستية من الإدارية حتى الصحية و البشرية. تكتسب المعابر الحدودية، والمناطق الطرفية، والطرق الثانوية، أهمية استراتيجية، لأنها تمثل نقاط التحكم الفعلية في المجال، وهو ما يدفع إلى إعادة توزيع الجهد الأمني من المركز إلى الأطراف، ومن السيطرة المباشرة إلى الرقابة المستمرة.
كما تتداخل هذه المقاربة مع إدارة المساحات الرمادية، حيث تعمل دمشق على تقليص هذه المساحات أو إعادة ضبطها، بدل تركها مفتوحة أمام الفاعلين غير الرسميين لا سيما الخلايا النائمة المرتبطة بحزب الله والحرس الثوري والفصائل العراقية، وذلك عبر مزيج من الإجراءات الأمنية، والتفاهمات المحلية، وإعادة تنظيم الاقتصاد الحدودي، بما يحوّل هذه المناطق من نقاط ضعف إلى أدوات ضمن معادلة الضبط. وفي هذا السياق، لا يجري القضاء على هذه المساحات بالكامل، وإنما إدماجها ضمن نظام مراقبة وتحكم يسمح بإبقائها تحت السقف دون تحولها إلى بيئة مستقلة.
تتحول السياسة السورية هنا إلى عملية ديناميكية مستمرة من إعادة التموضع بالمفهوم التقليدي، تقوم على امتصاص الضغط وإعادة توزيعه عبر الجغرافيا، ولا ننسى هنا ان إسرائيل بالمحصلة هي مصدر قلق لكل من طهران ودمشق ولكل من شعبي الدولتين وفق مؤشرات الرأي العام المتاحة، حيث يُعاد توجيه التوتر من نقطة إلى أخرى، ويُخفض مستوى الاحتكاك في مناطق معينة مقابل تشديده في مناطق أخرى، بما يمنع تراكم الضغط في نقطة واحدة يمكن أن تتحول إلى انفجار. هذه القدرة على إعادة توزيع الضغط تمثل جوهر الاستراتيجية، حيث تتحول الجغرافيا إلى أداة لإدارة التوازن، لا مجرد ساحة له.
تكمن أهمية هذه المقاربة في أنها تعيد تعريف وظيفة الدولة السورية ضمن هذا المشهد، حيث لا تُقاس قوتها بقدرتها على فرض سيطرة مطلقة وتحكم بالمجال الجوب والبري، بقدر ما يقاس بقدرتها على إدارة التعقيد، والتحكم في التداخل بين الأمني والاقتصادي والعسكري والمجتمعي المرتبط بالراي العام لا سيما بعد التوترات في الجنوب السوري والمظاهرات المرتبطة بالتوغلات الإسرائيلية في القنيطرة وبقرار إعدام الاسرى الفلسطينيين؛ وضبط التدفقات التي تشكل أساس النفوذ الإقليمي. وبهذا المعنى، تتحول الدولة من فاعل يسعى إلى الحسم إلى فاعل يدير المجال، حيث تصبح السيادة عملية تشغيل مستمرة تُقاس بالكفاءة في الضبط أكثر من الامتلاك الشكلي للأرض، وهو ما يضع سوريا في موقع فاعل داخل المعادلة، لا مجرد ساحة تتقاطع فوقها الصراعات.
تطويق حزب الله وإعادة تهيئة لبنان
يتجلى البعد الأكثر حساسية في موقع سوريا من هذه التداخلات من خلال تحولها إلى أداة ضغط إقليمي تُستخدم في إعادة تشكيل البيئة العملياتية لحزب الله، وفي الوقت نفسه في تضييق المجال الاستراتيجي الذي تحرك منه داخل لبنان وعبره لا سميا بعد فرض إسرائيل مسار تفاوضي مع لبنان وحده دون إيران او أي دولة إقليمية أخرى، ورغبة تل أبيب بفصل الساحات بأي كلفة. عموماً، الجغرافيا السورية اليوم تُقرأ بكونها حزاماً أمنياً ولوجستياً وسياسياً يجري ضبطه تدريجياً من أجل قطع المرونة التي منحت الحزب لعقود قدرة على الحركة، وإعادة التموضع، ونقل الأفراد والمواد، واستثمار الفوضى الحدودية بوصفها امتداداً طبيعياً لعمله الإقليمي. ومن هنا تكتسب المعابر، والطرق الجبلية، والأنفاق، والمسارات غير الرسمية، قيمة مركزية داخل المشهد، لأنها تمثل البنية التحتية الفعلية التي تسمح بإنتاج النفوذ أكثر مما تمثله المقرات الكبيرة أو العناوين العسكرية التقليدية. وارتبط هذا المسار خلال الأسابيع الماضية بتعزيزات سورية على الحدود اللبنانية ونشر وحدات من الجيش السوري في ريف حمص الغربي وريف دمشق، وبخطاب رسمي وأمني يربط بين منع تهريب السلاح والمخدرات ومنع تسلل عناصر حزب الله أو المجموعات المرتبطة به إلى الداخل السوري.
ضمن هذا الإطار، يتسع معنى الضبط ليشمل أكثر من مجرد مراقبة خط حدودي، إذ يأخذ شكل إعادة تنظيم كاملة للمجال الحدودي والفضاء الخلفي المرتبط به. فالتشديد على ضبط الأنفاق في ريف حمص، وتشديد الرقابة على المسارات المتفرعة في ريف دمشق الغربي، ومراقبة المثلث الجنوبي لسوريا بوصفه فضاءً يتقاطع فيه الأمني بالسياسي باقتصاد الحرب وما بعد الحرب وبالرسائل الإقليمية، كلها خطوات تدل على أن دمشق تتجه إلى تفكيك البنية المرنة التي أتاحت للحزب في مراحل سابقة استخدام الجغرافيا السورية كمنطقة عبور وتخزين وإخفاء وإعادة تموضع. والمعنى الأعمق هنا أن الدولة لا تستهدف فقط السلاح بوصفه مادة، بقدر ما تستهدف السلسلة التي تجعل السلاح قابلاً للحركة بدءاً من الممر، والنفق، والناقل، والمخزن، والوسيط المحلي، والحماية الرمادية التي كانت تسمح باستمرار هذه الشبكة تحت سقف منخفض من الظهور.
بهذا المعنى، يجري التعامل مع سوريا بوصفها مجالاً يجب تنظيفه من القنوات التي تحولها إلى ظهر تشغيلي للبنان، لا مجرد حدود يجب حراستها؛ لا سميا بعد اكتشاف أنفاق تهريب على الحدود في حمص، وهو ما يدعم هذا الاتجاه المني نحو تجريم البنية التحتية للتهريب نفسها، لا فقط اعتراض الشحنات.
ويتعزز هذا المسار أكثر مع تصاعد الحديث عن الخلايا النائمة والخلايا المرتبطة بالحزب داخل سوريا، لأن هذا النوع من الملفات يمنح دمشق فرصة لربط الأمن الداخلي بالأمن الإقليمي في رواية واحدة. فإعلان وزارة الداخلية السورية إحباط مخطط في دمشق واعتقال خمسة أشخاص على خلفية التخطيط لاستهداف شخصية دينية، مع اتهام خلية مرتبطة بحزب الله، ثم تداول تقارير إعلامية قالت إن الهدف كان حاخاماً يهودياً في العاصمة، يمنح السلطة السورية مادة سياسية وإعلامية ذات وزن كبير في هذا الملف. إذ تنبع أهمية هذه القضية من البعد الأمني المباشر، ومن رمزية الهدف وطبيعة التهمة والسياق الإقليمي المحيط بها، لأن ربط الحزب بمحاولة استهداف شخصية دينية يهودية داخل دمشق القديمة (وباب توما التي تحتوي اكثر من كنيس يهودي قريبة جداً من الاحياء الشيعية ذات الصلة بحزب الله و بإيران سواء اجتماعياً أو دينياً أو اقتصادياً وحتى أمنياً فيما سبق، في كل من حي الأمين و حي الإمام جعفر الصادق) يسمح بإعادة تصويره أمام الداخل السوري وأمام الخارج بوصفه عنصر فوضى واغتيال واختراق أمني، لا مجرد فاعل لبناني مرتبط بساحة الجنوب أو بالمواجهة مع إسرائيل.
وهذه النقطة تحديداً تفتح الباب أمام استثمار إعلامي واسع، لأن القضية تسمح بإخراج الحزب من صورة القوة المقاومة إلى صورة الشبكة العابرة للحدود التي تعبث بأمن العاصمة السورية نفسها وتضع الدولة في مواجهة أخطار أمنية ودبلوماسية مركبة. وقد أعلنت الداخلية السورية بالفعل عن إحباط المخطط، فيما ذكرت تقارير أخرى أن الشخصية المقصودة كانت حاخاماً، مع نفي حزب الله صحة الاتهامات.
يكتسب هذا التوظيف الإعلامي والسياسي عمقاً أكبر حين يوضع في سياق تاريخ ثأري طويل بين الحزب وممثلي الادرة السورية الجديدة في سوريا. فالعلاقة بين حزب الله ودمشق عبرت خلال السنوات الماضية من طور التحالف الوظيفي الكثيف إلى طور الشك والاحتكاك وإعادة الحساب. ومع تغيّر بنية السلطة في دمشق وتبدل أولوياتها بعد سقوط نظام الاسد، أصبحت الذاكرة السياسية والأمنية محمّلة بملفات متراكمة فيها ثأر واختراقات، وأدوار ميدانية متشابكة، وحسابات تقويض نفوذ داخل الأراضي السورية، وشعور متزايد لدى قطاعات داخل الدولة الجديدة بأن الحزب استفاد طويلاً من المساحة السورية أكثر مما خدم استقرار نظام الأسد.
ومن هنا، يسمح ملف الخلايا النائمة التابعة لحزب الله وإيران للحكومة السورية الجديدة بأن تعيد تأطير هذا التاريخ كله داخل خطاب جديد يقوم على أن الحزب تهديد للنظام العام السوري، وفاعل يعمل داخل المجال السوري بأجندة خاصة تتقاطع مع تهريب السلاح، وتنشيط الخلايا، وإنتاج بيئات رمادية خارجة عن الضبط. يبرر هذا التأطير أيضاً التحول السياسي لصالح رواية أميركا وإسرائيل، ويمنحها أرضية داخلية وإقليمية لتشديد القبضة وتطويق حزب الله دون أن تبدو وكأنها تنفذ رغبات خارجية فقط، الى القدر الذي تبدو و كأنها تدير معركة سيادية لاستعادة المجال من اختراقات متراكمة؛ رغم أنها ترفض في كل مرة التدخل عسكريا في لبنان كما طلبت منها كل من واشنطن وتل ابيب.
في السيناريو الأقسى، يصبح تطويق أي عمليات تهريب سلاح ورصد أي تحرك مشبوه جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة تعريف وظيفة الجغرافيا السورية؛ على اعتبار ان هذه المناطق ليست متساوية في معناها العملياتي، لكنها تتكامل ضمن شبكة واحدة حيث أن ريف حمص يمثل عقدة عبور وتخزين واتصال بالحدود اللبنانية؛ ريف دمشق الغربي يمثل الحزام الأقرب إلى العاصمة، حيث يتحول أي اختراق إلى تهديد مباشر للرمزية السيادية والأمن الداخلي؛ أما المثلث الجنوبي فيمثل الفضاء الأكثر حساسية من جهة تداخله مع الحسابات الإسرائيلية ومع فكرة المنطقة العازلة والخطوط الحمراء غير المعلنة. ولهذا يصبح الرصد في هذه المناطق رصداً متعدد الطبقات يبدأ من رصد للمواد، وللحركة، وللوسطاء، وللتغيرات الصغيرة في أنماط العبور، ولإشارات إعادة التموضع، لا مجرد رصد لأرتال أو مخازن واضحة. وتنسجم هذه القراءة مع تقارير عن عمليات سابقة نسبت فيها دمشق أسلحة هجمات داخلية إلى حزب الله، ومع دفع أميركي باتجاه تحرك سوري أشد ضده، حتى لو بقيت دمشق حذرة من الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
أما حزب الله، يجد نفسه أمام انكماش حاد ومتسارع في فضائه الخلفي داخل سوريا، حيث لم يعد المجال السوري يوفر تلك المرونة التي سمحت له سابقاً بالحركة والتخزين وإعادة التموضع، وهو ما يدفعه إلى تقليص الظهور، وتفكيك كتلته الظاهرة، والاعتماد على شبكات متناثرة تحاول الحفاظ على الحد الأدنى من القدرة ضمن بيئة أصبحت معادية ومكشوفة في آن واحد. غير أن هذا التحول لا ينتج استقراراً، بقدر ما يرفع من مستوى التوتر، لأن الانتقال إلى عمل أكثر خفاءً يدفع الأطراف الأخرى، وعلى رأسها الدولة السورية وإسرائيل، إلى توسيع دائرة الاشتباه، وتعزيز الضبط، وتحويل الجنوب إلى مساحة احتكاك دائم، حيث تتكثف عمليات الرصد، والتوقيف، والتفكيك، ويجري التعامل مع أي إشارة على نشاط مسلح بوصفها مشروع تهديد يجب إنهاؤه قبل اكتماله.
في هذا السياق، يتبلور السيناريو الأقسى في الجنوب السوري، حيث تتعامل إسرائيل مع هذه الجغرافيا بوصفها مجالاً يجب إعادة تشكيله بالقوة، عبر مزيج من القصف المكثف، والتدمير المنهجي للبنية اللوجستية، والتوغلات البرية المحدودة، وصولاً إلى تثبيت عمق أمني فعلي عبر الحواجز المنتشرة ونقاط التفتيش يتجاوز خطوط الاشتباك التقليدية. يتجه هذا السيناريو نحو ضرب البيئة التي تسمح بوجود هذه الأهداف، من خلال استهداف الطرق، والمخازن واحتلال محيط السدود والممرات المائية، ونقاط العبور، والمناطق التي يُشتبه بأنها حاضنة لأي نشاط مسلح، ما يحوّل الجنوب إلى فضاء مُنهك، تتآكل فيه القدرة على إعادة تنظيم أي جماع مسلحة سواء محلية او ذات ارتباط خارجي.
يتعزز هذا المسار عبر بنية مراقبة كثيفة تعتمد على مخبرين محليين، والإشراف الكامل من المرتفعات الحاكمة، مثل تل الحارة والتلول الحمر وتل الفرس ومرتفعات جباتا الخشب، إضافة إلى مراصد جبل الشيخ، التي تتيح تغطية واسعة للمجال الجنوبي، وربط الحركة على الأرض بصورة استخباراتية متكاملة، تسمح بتتبع الأنماط، وليس فقط الأهداف. وضمن هذه البنية، يصبح أي تحرك، مهما كان صغيراً، قابلاً للرصد والتفسير، ما يفتح المجال أمام تدخل سريع ومباشر، سواء عبر ضربات جوية، أو عمليات قصف مدفعي، أو حتى إنزالات محدودة تستهدف تفكيك نقاط معينة وإرسال رسائل ردعية.
ومع تصاعد هذا النمط، يتحول الجنوب السوري إلى منطقة خاضعة لمنطق العمق الأمني، حيث لا تتوقف العمليات عند حدود منع التهديد، بقدر ما تمتد إلى دفعه بعيداً عن الحدود، عبر خلق حزام من الفراغ العسكري النسبي، تُمنع فيه أي بنية مسلحة من التشكل أو الاستقرار. ويأخذ هذا العمق شكلاً متدرجاً، يتراوح بين التوغلات المحدودة، والضربات المتكررة، والضغط المستمر على القرى والبلدات القريبة من خطوط التماس، ما يؤدي إلى تفريغ المجال من أي قابلية تنظيمية.
مهيب الرفاعي - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|