الصحافة

هدنة حقيقية … أم دخول لبنان في مسار لا خروج منه؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

بعد يوم طويل من التصعيد والرسائل المتبادلة، خرج الاعلان الأميركي ثم بيان وزارة الخارجية الأميركية ليقدّم ما يشبه “فرصة” لوقف إطلاق النار لعشرة أيام، تبدأ بقرار أحادي مغطّى بإطار تفاوضي. هدنة قصيرة، مشروطة، ومفتوحة على احتمالات أكثر مما هي مغلقة على ضمانات. في ظاهرها، محاولة لخلق مناخ ملائم لمفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل؛ وفي باطنها، رسم لمسار كامل تتداخل فيه الشروط الأمنية بالسياسية، والسيادة بالضغوط الدولية.

بحسب بيان وزارة الخارجية الأميركية، وفي أعقاب “مباحثات مثمرة” بوساطة واشنطن، توصل لبنان وإسرائيل إلى تفاهم يهدف إلى تهيئة الظروف لسلام دائم بينهما، يقوم على الاعتراف المتبادل بالسيادة وسلامة الأراضي، وإرساء أمن حقيقي على الحدود المشتركة، مع التأكيد على “الحق الأصيل لإسرائيل في الدفاع عن النفس”.

إسرائيل تفاوض تحت النار

ليس تفصيلاً أن يُعلن دونالد ترامب وقفاً للأعمال العدائية لمدة عشرة أيام، بل هو عنوان المرحلة: هدنة ليست بريئة، بل أداة لفتح باب تفاوض على اتفاق أبعد بكثير من مجرد تهدئة ميدانية. فالنص، بروحيته، لا يتحدث فقط عن خفض التصعيد، بل عن “تهيئة ظروف” لسلام دائم، أي نقل لبنان من ساحة مواجهة إلى طاولة تسويات كبرى.

في هذا الإطار، تبدو إسرائيل الطرف الأكثر ارتياحاً. فهي، من جهة، توافق على وقف العمليات الهجومية، لكنها تحتفظ علناً وصراحة بحق “اتخاذ كل الإجراءات اللازمة للدفاع عن النفس”، وهو توصيف فضفاض يتيح لها عملياً الحفاظ على حرية الحركة العسكرية متى شاءت. هدنة بلا كلفة فعلية على إسرائيل، بل مع تثبيت لحق التدخل المستمر تحت أي عنوان أمني.

في المقابل، لا يحمل الواقع أي مؤشرات فعلية على وقف شامل للنار كما يُسوّق له. لا انسحاب مطروحاً، لا عودة للمدنيين إلى قراهم، ولا تغيير في قواعد الاشتباك. بل على العكس، تبدي مصادر دبلوماسية تشكيكاً واضحاً بجدية هذه الهدنة، معتبرة أنها أقرب إلى إعادة تنظيم للمرحلة المقبلة، لا إلى إنهاء حقيقي للتصعيد. فكيف يمكن الحديث عن وقف إطلاق نار فيما أحد الأطراف يحتفظ بحق الضرب في أي لحظة؟

من وقف إطلاق النار إلى سلام ملغوم

الأخطر أن بيان الخارجية الأميركية، بعد يوم حافل بالأحداث، لا يكتفي بوصف واقع، بل يرسم مساراً فُرض على لبنان تدريجياً، بدءاً من بيان التفاوض في واشنطن وصولاً إلى لقاء بنيامين نتانياهو بالرئيس جوزف عون في البيت الأبيض للاتفاق على السلام. وهذا بحد ذاته مسار مليء بالشروط القاسية والألغام السياسية التي يمكن أن تنفجر قريباً في مكان ما.

أول هذه الألغام، أن الهدنة ليست هدفاً بحد ذاته، بل مدخل لتفاوض على اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل. وهو طرح شديد الحساسية داخلياً، لا يمرّ بسهولة في بلد لا يزال منقسماً حول أبسط العناوين السيادية، فكيف باتفاق بهذا الحجم والتداعيات؟

ثانيها، الإيحاء الواضح بأن هناك تقاطعاً لبنانياً – إسرائيلياً على توصيف المشكلة، أي حصرها بوجود “حزب الله” وسلاحه. هذا ليس تفصيلاً تقنياً، بل محاولة لإعادة تعريف الأزمة اللبنانية من زاوية أمنية بحتة، ما يفتح الباب أمام اعتراض داخلي سياسي وشعبي.

ثالثها، تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية كاملة عن بسط السيادة ومنع أي عمل عسكري خارج إطارها. وهو مطلب يبدو نظرياً بديهياً، لكنه عملياً يضع الدولة أمام امتحان يفوق قدرتها الحالية، في ظل توازنات داخلية معقدة تجعل من هذا الالتزام شبه مستحيل التنفيذ.

أما رابع الألغام، فهو الذهاب سريعاً نحو مشهدية سياسية كبرى، عبر الحديث عن لقاء محتمل بين الرئيس اللبناني ورئيس الوزراء الإسرائيلي في البيت الأبيض. لقاء، إن حصل في هذا التوقيت، لن يُقرأ كإنجاز، بل كقفزة فوق الدم، ما لم يكن تتويجاً لمسار طويل يحقق للبنان مكاسب فعلية: سيادية، اقتصادية، وإصلاحية.

في موازاة ذلك، لا توحي الوقائع الميدانية والسياسية بأن البلاد تتجه نحو استقرار قريب. على العكس، تشير المعطيات إلى إدراك خارجي بأن أي تقصير من الدولة واي رفض لمبادرة ترامب سيكون ثمنهما غالياً جداً، وإدراك داخلي، خصوصاً لدى “الحزب”، لحساسية المرحلة وخطورتها، وهو ما انعكس في توجيه بيئته بعدم التوجه جنوباً، حرصاً على سلامتهم، في خطوة تلاقت مع موقف مماثل للرئيس نبيه بري. سلوك يعكس قراءة واقعية: الهدوء الظاهر لا يعني نهاية الخطر.

بين هدنة معلّقة وسلام ملغوم: هل يملك لبنان ترف الرفض… أم أنه دخل فعلاً في مسار لا يملك الخروج منه؟

جوزفين ديب - اساس ميديا

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا