الصواريخ تتكاثر و"السيناريوهات سوداء".. فماذا تترك فوق رؤوسنا في السماء؟
"حرّيّة الحركة" تفجّر اتّفاق وقف النار؟
دخلَ لبنان في مرحلة وقفٍ لإطلاق النّار مع إسرائيل مدّتها 10 أيّام قابلة للتمديد. لكنّ الاتفاقَ لا يزال هشّاً بانتظار وضوح صورة قواعدِ الاشتباك الجديدة التي سيُرسّخها. هل يصمُد الاتفاق؟ أم ينهار تحت مُسمى “حريّة الحركة” لإسرائيل؟
دخلَ “الحزب” الحربَ منذ نهاية شباط الماضي تحتَ عنوان محاولة فرض واقعٍ ميدانيّ جديدٍ يُعاكس مفاعيل اتفاق 27 تشرين الثّاني 2024 (وقف الأعمال العدائيّة). إذ كان الاتفاق يمنح إسرائيل حريّة الحركة ضدّ ما تُسمّيه “التهديدات الوشيكة” من “الحزب”. أدّت هذه المفاعيل إلى اغتيال ما يزيد عن 500 عنصرٍ من “الحزب” منهم القائد العسكريّ هيثم علي الطبطبائي في الضّاحية الجنوبيّة لبيروت.
الحزب سيردّ
تقول مصادر “الحزب” لـ”أساس” إنّه غير معنيّ بأيّ بندٍ يمنح حريّة الحركة لإسرائيل في الاتفاق الجديد، وأنّ قيادته اتّخذت قراراً بالرّد الفوريّ على أيّ اغتيال أو استهداف تحت مُسمّى حريّة الحركة.
قرار الحزبُ هذا، إن نُفِّذَ، سيُعيد الأمورَ إلى المربّع الأوّل، خاصّة أنّ إسرائيل تتحيّن الفرصة لكي يقومَ “الحزب” بأيّ عمل عسكريّ ضدّها لاستئناف الضّربات والتنصّل من وقف إطلاق النّار، وذلك بسبب الضّغوط التي تعرّض لها رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو من قِبل وزراء اليمين المُتطرّف في حكومته.
يسعى نتنياهو هو الآخر إلى ترسيخ مفهوم حريّة الحركة ضمنَ أيّ اتفاقٍ مع لبنان، وذلك في محاولةٍ للتهرّب من الضّغط الدّاخليّ الذي يُلاحقه أكانَ من وزراء حكومته أو حتّى من المُعارضة التي بدأت بتوجّهاتها اليمينيّة واليساريّة بتوجيه سهام الانتقادات نحوَ “بي بي” الذي ينتظر استحقاق الانتخابات التشريعية بعد أقلّ من 7 أشهر.
هذا يُفسّر إصرار نتنياهو على أن يذكُرَ الاتفاق مبدأ ما يُسمّى بـ”حق إسرائيل بالتحرّك الاستباقي” كما يضع على عاتق الدّولة اللبنانيّة مسؤوليّة “منع أيّ عمل عسكريّ من الأراضي اللبنانيّة”، وهذا ما يتجاوز قدرة الدّولة اللبنانيّة من الناحيتيْن السّياسيّة والأمنيّة، خصوصاً في ظلّ استمرار الاحتلال لما يُقارب 500 كلم2 من الأراضي اللبنانيّة في الجنوب.
خريطة ديرمر
لذلكَ اقترحَ وزير الشّؤون الاستراتيجيّة الإسرائيليّ السابق رون ديرمر، والذي يُعتبر من أشدّ المُؤثّرين على نتنياهو أن يكونَ عمل إسرائيل في لبنان عبر تقسيم خريطته إلى 3 مناطق أمنيّة، وذلكَ بسحب ما يكشف مصدر دبلوماسيّ غربي لـ”أساس”:
1- فرض السّيطرة على المنطقة العازلة بعمق 8 كلم داخل الأراضي اللبنانيّ من القطاع الغربي حتّى مدينة الخيام في القطاع الشّرقي. على أن يُمنع عودة السّكان إليها بشكلٍ تامّ، ويستمرّ الجيش الإسرائيليّ في تدمير ونسف منازلها تحت حجّة “ضرب بنى تحتيّة” ومحاولة إقناع سكّان المستوطنات الشّماليّة بفرضِ الأمن. بالإضافة إلى استعمال هذه المنطقة كورقة ضغطٍ على الدّولة الللبنانيّة في عمليّة التفاوض المباشر الذي سينطلق بشكلٍ رسميّ خلال أيّام قليلة برعاية أميركيّة.
وقف النار
2- منطقة يكون لإسرائيل فيها كامل حريّة التحرّك وهي المنطقة الواقعة في جنوب نهر الليطانيّ من حدود المنطقة العازلة إلى مجرى النّهر. وهي المنطقة التي يُحاول الإسرائيليّون ضمّها بشكلٍ غير مُعلن إلى المنطقة العازلة، أي عبر فرض السّيطرة الأمنيّة والنّاريّة عليها من دون دخولها برّاً.
3- منطقة شمال الليطاني، وتشمل الجنوب اللبنانيّ حتّى الحدود اللبنانيّة مع سوريا في أقصى الشّمال. وتكون في هذه المنطقة السّيطرة الأمنيّة والعسكريّة للجيش اللبنانيّ والقوى الأمنيّة اللبنانيّة، وتضغط إسرائيل على الدّولة لنزع سلاح “الحزب” بالقوّة. بكلامٍ آخر أن تكونَ هذه المنطقة ساحة اقتتال بين الدّولة و”الحزبِ” إذا ما ربطت إسرائيل أيّ انسحاب من المنطقة العازلة بنزع سلاح الحزب كشرطٍ مُسبّق.
اختبار نوايا؟
يُمكن قراءة الاتفاق في ظروفه وإقراره وبنودِه “المُفخّخة” كاختبار نوايا بين واشنطن وطهران. إذ يكشف مصدر إقليمي لـ”أساس” أنّ الاتفاق لم يكن وليدة السّاعات الأخيرة، بل منذ أن اتفقَت الولايات المُتحدة وإيران على عقد جلسة التفاوض الأولى في العاصمة الباكستانيّة إسلام آباد الأسبوع الماضي. لكنّ الجانبيْن كانَا مُتفقيْن ضمناً على تطبيقه وإقراره تدريجيّاً لعدّة أسباب:
دخلَ لبنان في مرحلة وقفٍ لإطلاق النّار مع إسرائيل مدّتها 10 أيّام قابلة للتمديد
1- بدأ تنفيذه بشكلٍ غير معلن عبر تحييد العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبيّة لجلب وفد إيران إلى مفاوضات إسلام آباد، من دون أن تكون واشنطن قد أعطت إيران ربطَ الجبهتيْن اللبنانيّة والإيرانيّة تزامن وقف النّأر.
2- أرادت واشنطن أن يُعطى لبنان الرّسميّ الإعلان عن وقف إطلاق النّار وذلك لسببيْن:
الأوّل: دفع المفاوضات اللبنانيّة – الإسرائيليّة المباشرة قدُماً، ليكون وقف النّار مرتبطاً من حيث الشّكل بالمفاوضات بين بيروت وتل أبيب.
الثّأني: أن يكونَ لبنان الرّسميّ هو من جاء بوقف إطلاق النّار وهذا يُعزّز موقف الدّولة داخليّاً ولا يُعطى “الحزبُ” الفضل به. وبكلامٍ آخر أن تكونَ “الدّبلوماسيّة” هي من جاءَت به وليسَ “السّلاح”.
3- أن تكون للدّول الإقليميّة المُؤثّرة في لبنان دورٌ أساسيّ به، وتحديداً المملكة العربيّة السّعوديّة حيث كان للمستشار في الخارجيّة السّعوديّة الأمير يزيد بن فرحان دور أساسيّ في إدارة التوصّل لاتفاق وقف النّار وحماية اتفاق الطّائف وترسيخه مدخلاً مُلزماً لحلّ أزمة السّلاح وتنفيذ بقيّة بنود “الطّائف”، وهذا ما يُفسّر زيارة النّائب علي حسن خليل إلى الرّياض.
مكامن الخطر
تختبر واشنطن طهران وقدرتها على ضبطِ “الحزبِ”، وتختبر طهران واشنطن في قدرتها على لجم نتنياهو. فاتفاق لبنان هو من عوامل بناء الثّقة المفقودة بين الجانبيْن في إسلام آباد، وهي التي عبّر عنها نائب الرّئيس الأميركيّ جي.دي. فانس، ورئيس مجلس الشّورى الإيرانيّ محمّد باقر قاليباف.
تختبر واشنطن طهران وقدرتها على ضبطِ “الحزبِ”، وتختبر طهران واشنطن في قدرتها على لجم نتنياهو
لكنّ الخطورة هي أن يتعرّض الاتّفاق لضربات غير مباشرة تحت مُسمّى حرّية الحركة وردّ “الحزب” عليها لئلّا يعود إلى فترة الـ15 شهراً منذ اتّفاق 2024. هذا يعني أنّ وقف النّار في لبنان قد يتحوّل إلى اشتباكٍ مضبوطٍ يكونُ إيقاعه في جنوب الليطانيّ، ويُبقي السّاحة اللبنانيّة في منطقة اللاحرب واللاسلم.
الأخطر أيضاً هو أن يكون الاتّفاق وبنوده المفخّخة بحرّيّة الحركة مدخلاً لكلّ من إيران والولايات المُتّحدة للاشتباك بالوكالة في لبنان في حال تعثّرَت مفاوضات إسلام آباد، من دون أن يعودَ الجانبان إلى الحرب المباشرة وما يترتّب عليها.
في الوقت عينه، قد يكون “اتّفاق لبنان” المدخل الأساسيّ إلى بناء الثّقة بين الجانبَيْن والتوجّه نحوَ اتّفاقٍ يريده الرّئيس الأميركيّ لضبط سلوك طهران نوويّاً وإقليميّاً ومعها مؤشّرات أسواق الطّاقة قبل الانتخابات النصفيّة في تشرين الثّاني، ويريده “النظام الإيرانيّ الجديد” من أجل منافع اقتصاديّة وماليّة لامتصاص أيّ حركةٍ في الدّاخل قد تطلّ برأسها على المدى المتوسّط بعد فشل إسقاط نظام الجمهوريّة الإسلاميّة عسكريّاً.
ابراهيم ريحان- أساس ميديا
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|