الصحافة

خريطة أدرعي تتجاوز التحذير!

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم يعد ممكناً التعامل مع التحذير الأخير للمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي على أنه إجراء روتيني لحماية المدنيين. في توقيته ومضمونه، يتجاوز البيان وظيفة "التنبيه" ليقترب من رسم خريطة ميدانية جديدة، تُفرض تدريجا تحت عنوان وقف إطلاق النار. ليست مجرد لائحة قرى، بل هندسة جغرافية متكاملة تعيد تعريف الجنوب وحدود الاشتباك فيه.

في الظاهر، يطلب الجيش الإسرائيلي من السكان عدم الاقتراب من مجموعة واسعة من القرى والوديان. لكن القراءة المتأنية للأسماء تكشف أن ما يجري أبعد من ذلك بكثير. فاللائحة الجديدة لا تقتصر على القرى الحدودية المعروفة، بل تمتد لتشمل ما يمكن وصفه بـ"الخط الثاني" خلف الجبهة، أي العمق الجغرافي الذي كان يُفترض أنه خارج نطاق العمليات المباشرة.

هذا التحول أساسي، إذ إن إدخال قرى مثل زبقين، وياطر، وصربين، ومجدل سلم، وقبريخا، وفرون، ويحمر الشقيف، وأرنون ودير ميماس ضمن دائرة التحذير، يعني عملياً توسيع مساحة "الخطر" لتشمل مناطق تشكل عصب الحركة الداخلية في الجنوب، لا مجرد خطوط تماس.

وبتفكيك الخريطة، تتضح صورة أكثر تماسكا وخطورة. فالقرى المضافة يمكن تقسيمها إلى ثلاث طبقات جغرافية مترابطة، تشكل بمجموعها بنية ميدانية كاملة:
الطبقة الأولى هي مرتفعات الإشراف، مثل يحمر الشقيف وأرنون ودير ميماس. هذه القرى تقع على تلال استراتيجية تطل على وادي الليطاني ومناطق واسعة من الجنوب، ما يمنحها قيمة عسكرية مضاعفة كنقاط مراقبة وتوجيه ناري. إدراجها ضمن التحذير يوحي بمحاولة واضحة لنزع أي قدرة على الإشراف أو السيطرة البصرية من هذه النقاط.

الطبقة الثانية هي عقد المواصلات الداخلية، مثل مجدل سلم وقبريخا وفرون وزوطر الغربية. هذه البلدات ليست حدودية، لكنها تشكل مفاصل ربط بين بنت جبيل والنبطية ومرجعيون. السيطرة عليها أو عزلها يعنيان عمليا تعطيل شبكة الحركة والإمداد داخل الجنوب، وهو ما يفسر إدخالها في نطاق المنع.

أما الطبقة الثالثة والأكثر حساسية، فهي المناطق المحيطة بالأودية الحيوية، وفي مقدمها نهر الليطاني ووادي السلوقي. هذه الجغرافيا الوعرة لطالما شكلت ممرات طبيعية ومناطق تحصين خلال المواجهات، وبرزت أهميتها خصوصا في حرب 2006. إدراجها في التحذير يشير إلى محاولة لقطع العمق الجغرافي وربط الجنوب بشماله، أو على الأقل ضبطه ميدانياً.

عند جمع هذه الطبقات الثلاث، تتضح ملامح ما يمكن وصفه بـ"قوس جغرافي متكامل": مرتفعات للإشراف، طرق للإمداد، وأودية للحركة والتحصين. بمعنى أوضح، إن إسرائيل لا تحدد نقاط خطر عشوائية، بل ترسم بنية ميدانية متكاملة تتيح لها توسيع هامش عملياتها، من دون إعلان رسمي لتغيير قواعد الاشتباك.

هنا تحديداً تتبدل وظيفة الهدنة. لم تعد مجرد وقف لإطلاق النار، بل هي إطار مرن لإدارة نزاع منخفض الوتيرة، يمكن من خلاله إعادة رسم الحدود الميدانية تدريجاً. التحذير، بهذا المعنى، يتحول إلى أداة سياسية - عسكرية مزدوجة: فرض واقع على الأرض، واختبار رد الطرف الآخر في الوقت نفسه.

بالنسبة إلى "حزب الله"، يفرض هذا الواقع المستجد معادلة دقيقة: الرد على ما قد يعدّ خرقاً، مع ما يحمله ذلك من خطر التصعيد أو تجاهل التحذير، بما يعنيه من قبول ضمني بتوسيع قواعد الاشتباك. وفي الحالتين، تكون الخريطة قد بدأت بالفعل بفرض نفسها أمرا واقعا.

بين سطور التحذير وخطوط الخريطة، يتشكل واقع جديد في الجنوب: ليس شريطاً حدودياً تقليدياً، بل مساحة نفوذ متدرجة يُعاد رسمها بهدوء. السؤال لم يعد هل هذا خرق للهدنة؟ بل هل الهدنة نفسها تُعاد صياغتها على وقع هذه الخرائط، أو أن الرد المقبل سيعيد رسمها بالنار؟

اسكندر خشاشو - النهار

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا