إنها حرب طويلة لفرض الاستسلام..
تأتي الغارة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت في ظل الهدنة، لتؤكد المؤكد، وربما لتبدد أي وهم بإمكانية التزام إسرائيل بوقف إطلاق النار ضد حزب الله. يتجاوز الهدف الإسرائيلي مسألة الوصول إلى أي اتفاق تقليدي على غرار الاتفاقات السابقة. فتل أبيب لا تريد العودة إلى تجربة العام 2006، ولن تكرر تجربة الانسحاب في العام 2000 إلا في حال تمكنت من الوصول إلى فرض اتفاق بالغ القسوة على لبنان. هذا ما يعلمه حزب الله جيداً. لذا، هو يراهن على مسار مختلف عن مسار التفاوض اللبناني الإسرائيلي، ولا يزال ينتظر نتائج المفاوضات في إسلام آباد، وإمكانية الوصول إلى اتفاق تفرض فيه إيران شرط وقف إطلاق النار في لبنان بشكل كامل. أما الخيار الثاني لدى الحزب، فهو الدخول في حرب استنزاف ضد القوات الإسرائيلية، وتكبيدها خسائر كبيرة، لترتفع الاعتراضات في الداخل ضد نتنياهو على أبواب الانتخابات. ولكن في حسابات رئيس الوزراء الإسرائيلي أن أي انسحاب من جنوب لبنان قبل الانتخابات، من دون فرض اتفاق يريده سيعني خسارة محتمة له، وهو ما لن يفعله.
أمام هذا المشهد، تنتقل إسرائيل إلى مرحلة تصعيدية جديدة، وتسعى فيها إلى "تحقيق كل شيء"؛ أي مواصلة العمل العسكري، الحصول على ضوء أخضر أميركي في العودة إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية، وفتح مسار تفاوضي مباشر مع لبنان، على مستوى الوفود كما على مستوى اللقاء بين نتنياهو ورئيس الجمهورية جوزاف عون، لإعطاء طابع يكرره الإسرائيليون دوماً، وهو اتفاق مع الدولة اللبنانية لمواجهة الحزب. وهذا ما يتطابق مع تصريحات دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو، اللذين يكرران باستمرار أنه لا مشكلة بين الدولة اللبنانية وإسرائيل، بل المشكلة هي مع حزب الله.
يقول نتنياهو إنه على تواصل دائم مع دونالد ترامب، وهو يسعى لإقناعه بعدم تمديد الهدنة في لبنان، وأن على الدولة اللبنانية أن تتخذ قراراً واضحاً من الآن وحتى 17 أيار، لوضع اتفاق إطار مع إسرائيل. أما بحال لم يتحقق ذلك فهو يطالب بمنحه الضوء الأخضر لتصعيد عملياته العسكرية وتكثيفها، إضافة إلى استهداف مناطق في عمق لبنان، بما فيها العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية. كما أن التهديدات الإسرائيلية بلغت حد التلويح باستهداف بنىً تحتية تابعة للدولة اللبنانية.
وإلى جانب توسيع نطاق الغارات، تريد إسرائيل توسيع عمليتها البرية خارج الخط الأصفر، في محاولة للسيطرة على كل منطقة جنوب الليطاني، وهي في الأساس بدأت بهذا المسار من خلال التقدم من بلدة دير سريان باتجاه زوطر الشرقية والغربية، مع مساعيها المستمرة للوصول إلى يحمر وأرنون. وما يسعى إليه نتنياهو أيضاً، هو أن لا ينسحب أي اتفاق أميركي إيراني على وقف إطلاق النار في لبنان، بل يريد أن تُطلق يده أميركياً لمواصلة عمليته العسكرية ضد حزب الله.
ربما، يحاول نتنياهو تكرار تجربة حرب العام 2024، عندما بدأها باغتيال قيادات عسكرية رفيعة في حزب الله، وخصوصاً عملية اغتيال قائد الرضوان ابراهيم عقيل مع قيادات أخرى، وبعدها تدرج التصعيد وصولاً إلى عملية البايجر واغتيال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرلله، وبعده هاشم صفي الدين، وهذا ما يعني أن تتدرج إسرائيل في عمليات الاغتيال والتمهيد لعملية أوسع.
ما يجري يشكل عنصر ضغط على مسار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، إذ إن الدولة اللبنانية كانت تتمسك بتثبيت وقف إطلاق النار للذهاب إلى المفاوضات، وتصر على عدم استهداف بيروت أو ضاحيتها الجنوبية، بينما إسرائيل خرقت كل القواعد. وهنا سيكون لبنان في موقف حرج، في ظل سعي الأميركيين لعقد اجتماع ثالث على مستوى السفراء، أو التفكير برفع مستوى التفاوض ليتثمل لبنان بالسفير سيمون كرم، على أن يكون ذلك بديلاً من اللقاء المطلوب أميركياً بين عون ونتنياهو.
يمكن لهذه الحرب أن تكون من أطول الحروب، وأغربها في شكلها ومساراتها. إذ قد تتراجع وتيرتها حينها، وتعنف أحياناً، ويتخللها مفاوضات مباشرة بين إسرائيل والدولة اللبنانية، بينما المواجهات مستمرة مع حزب الله. كما أنها لن تنتهي بما يشبه كل الاتفاقات القديمة، فإما ستفضي إلى فرض اتفاق على لبنان لا يلتزم به حزب الله، وإما أنها ستتواصل على وقع مشروع إسرائيلي واضح باقتطاع جزء من الأراضي اللبنانية لن يتم الانسحاب منها إلا بفرض اتفاق سلام أو استسلام، مع وضع آلية إسرائيلية لإدارة الجنوب، خصوصاً منطقة الخط الأصفر، والتحكم بها أمنياً، عسكرياً، اقتصادياً، وسياسياً.
منير الربيع - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|