من مفاوِض إلى مُطالِب: كيف أضعف حزب الله موقع لبنان التفاوضي؟
من الظلّ إلى الواجهة... عقدة الرجل الثاني هل كسرها نعيم قاسم؟
بعد انتشار الفيديو الكاريكاتوري الأخير الذي يصوّر الأمين العام لـ "حزب اللّه" نعيم قاسم بشخصيّة الطائر الغاضب angry bird وما تلى ذلك من ردود فعل غاضبة، تعود إلى الواجهة شخصيّة هذا الرجل الذي وجد نفسه على غفلة من الزمن في موقع أول، بعدما كان لعقود يحتلّ المركز الثاني خلف حسن نصراللّه، الشخصيّة التي تميّزت بكاريزما اتفق عليها الخصوم قبل الحلفاء. فهل استطاع قاسم أن يخرج من عباءة نصراللّه ويرسم لنفسه دورًا مختلفًا أم أنه مضطر لرفع السقف ورسم صورة أكثر تطرفًا وعقائدية ليثبت موقعه في البيئة التي كانت تقدّس سلفه؟
في علم النفس، يتشكّل سلوك القائد الجديد عند تقاطع ثلاثة عناصر: الصدمة، الشرعية والسياق وخاصة في زمن الحروب. وغالبًا ما يتحرك القائد الجديد ضمن مجموعة من الضغوط: أولها، المقارنة بينه وبين سلفه، ومن ثم توقعات البيئة التي يمثلها، وأخيرًا ظروف الواقع الذي يجد نفسه وسطه. والنتيجة، أنه قد يضطرّ أن يكون، إمّا أكثر تشدّدًا فيذهب باتجاهات قصوى، أو أكثر براغماتية فيتعامل مع الواقع حسبما هو، أو أكثر تردّدًا فيخشى اتخاذ خيارات حاسمة. ويتوقف ذلك على شخصيته والسياق الذي وجد نفسه فيه. والسؤال الذي يطرح هنا: في أي اتجاه ذهب نعيم قاسم بعد توليه منصب الأمين العام وخلافته حسن نصراللّه؟
عبء القيادة الجديدة
تاريخ قاسم لم يعدّه يومًا ليكون قائدًا عسكريًا كاريزماتيًّا، فهو أقرب إلى المنظّر العقائديّ والتربويّ الهادئ القادر على بناء هيكلية فكرية وتنظيمية، أكثر منه إلى صناعة لحظات جماهيرية حماسية. كانت صدمة تولّي القيادة صعبة إلى حدّ كبير، لأنها جاءت في سياق حرب وضعت مصير "حزب اللّه" على المحك، بعد غياب أقوى وأبرز شخصية في "الحزب" وأكثرها رمزية وقدسية. فحسن نصراللّه تولّى قيادة "الحزب" العسكرية والسياسية لعقود، وعمل على رسم إطاره وتثبيت رؤيته وتركيز قاعدته الشعبية حتى صار "الحزب" مدينًا له.
وجاء الخطاب الأوّل لنعيم قاسم بعد انتخابه أمينًا عامًا ليعكس حالة الصدمة والارتباك التي انتابته في تلك المرحلة. فقد ظهر وكأنه في غرفة خشبيّة مغلقة يتلو خطابًا مكتوبًا والعرق يتصبّب منه، وملامح الارتباك واضحة على محيّاه. فالرجل، الذي كان صاحب رؤية عقائديّة واضحة تتبنى ولاية الفقيه كحجر أساس في رؤيته السياسية، وترسّخ ارتباطه بإيران كمرجعية دينية وسياسية في القضايا الكبرى، وجد نفسه مضطرًا للانتقال من الظلّ إلى الواجهة والمواجهة والتعامل على الأرض مع قضايا عسكرية ضاغطة. ورغم تدرّجه في العمل المؤسّساتي داخل "حزب اللّه" وعمله، وفق ما يُروى، في إدارة الملفات الحكومية والنيابية ومتابعة عمل وزراء "الحزب" ونوّابه وقدرته على إدارة الصراعات، إلا أن دوره القياديّ وفق تفسير علمي الاجتماع والنفس خضع لاعتبارات أخرى تضيء عليها اختصاصية في علم النفس الاجتماعي.
حذر مفرط أم تشدّد زائد؟
بداية ترى الاختصاصية، أنه ووفق نظرية الهوية الاجتماعية، يقيّم القائد بقدر تمثيله هوية الجماعة. وغالبًا بعد فقدان قائد رمزي، يميل الخلف إلى إظهار "الاستمرارية الرمزية"، سواء باللغة أو المواقف أو الرموز، وذلك لطمأنة القاعدة. لكن هذا الانتقال المفاجئ من الدور الثاني أو الثالث إلى قمّة الهرم، يولّد ما يعرف بإجهاد الدور القيادي الذي يعني الاضطرار للجمع بين إرضاء القاعدة من جهة، وإدارة النخبة وكسب ثقتها من جهة أخرى، إضافة إلى التعامل مع المخاطر لا سيّما في زمن الأزمات والحروب. هذا الإجهاد، قد يظهر إمّا على شكل حذر مفرط أو تشدّد زائد. وهنا، لا بدّ من التأكيد أن الخلافة والوصول إلى مركز القيادة، بعد صدمة تختلف عن الخلافة الطبيعية، تضطر القائد الجديد للتركيز بشكل سريع على شرعيته وكونه امتدادًا طبيعيًّا للقيادة السابقة ليعمل فيما بعد على التمايز وخلق هويّة خاصة به.
لكن هنا يبرز ما يعرف في علم النفس باسم "متلازمة الدخيل" the Impostor Phenomenon والتي تحدّث عنها كلانس وإيمس وهي شعور الشخص الجديد الذي يتولّى القيادة بعدم استحقاقه هذا الموقع، ما يدفع به إلى "التعويض" عبر قرارات حادّة وخطاب عالي اللهجة والسقف بغية إثبات الذات. وهذه المتلازمة، وإن لم تكن قاعدة عامة، إلا أنها تصيب القادة الجدد بدرجات متفاوتة، ويتوقف مدى تأثيرها على شخصيّة هذا القائد في الأساس وتماسكه وهدوئه وصلابته. وقد يتمكّن بعد فترة من تخطّي هذا الشعور إذا ما لقي تجاوبًا من القاعدة.
وبالعودة إلى قاسم، يمكن التساؤل هنا: هل استطاع اجتياز هذه المراحل بنجاح وإثبات ذاته كقائد يمكن للقاعدة أن تتبعه دون سؤال؟ حتى اليوم، ودون الغوص عميقًا في تفاصيل قيادة نعيم قاسم، يمكن القول إن قاسم لا يزال في مرحلة التخطّي، وهو الأمر الذي يشير إليه اتجاهان يعتمدهما بشكل لافت: الأوّل، الخطاب المتشدّد جدًا الذي يعتمده، ويحمل في طيّاته بعدًا دينيًا واضحًا، وبعدًا عسكريًا ميدانيًا، رغم عدم كونه قائدًا عسكريًّا.
والاتجاه الثاني الذي يُحكى في الكواليس، وبدأ يخرج إلى مواقع التواصل الاجتماعي، وهو محاولة إقصاء ولدي السيّد حسن نصراللّه عن الواجهة والظهور الإعلاميّ بهدف حماية موقعه ودوره وتثبيت شرعيّته.
تتغيّر هذه الديناميكية التقليدية في انتقال السلطة من السلف إلى الخلف بشكل كبير أثناء الأزمات والحروب. وتأتي عوامل جديدة لتزيدها تعقيدًا، وترسم لها صورة أكثر حدّة. ففي سياق الموت والتهجير والعنف، وحين تشعر الجماعة أنها مستهدفة، يزداد تمسّكها بقيمها ورموزها كما تؤكّد الاختصاصية في علم النفس الاجتماعي، ما يضغط على القائد الجديد لإظهار التزام أشدّ بها. وقد تنغلق الدائرة القياديّة وتضيق دوائر القرار خوفًا من الانقسامات أو التسريبات، فتعمل على اتخاذ القرارات المتشدّدة حفاظًا على التماسك، وإن كان ذلك على حساب بدائل ممكنة أقلّ تشدّدًا وأكثر عقلانية. وهو الأمر الذي يلاحظ بوضوح اليوم في قيادة "حزب اللّه". كما أن البيئة المصدومة التي تعيش الخوف تبحث عن إشارات قوّة واستمرارية ولو كانت واهمة وغير واقعية. لذلك، يعتمد القائد خطابًا حازمًا قويًّا وإن كان داخليًّا، يتبنى حذرًا أكبر. وترتفع قابلية "الجمهور" لتأييد المواقف الحادّة دفاعًا عن الهوية كلّما كانت الأزمة أكبر، ما يضطرّ القائد إلى التخلّي عن أيّ مرونة ممكنة في التفكير والتصرّف، حتى لا يتمّ اتهامه بالضعف والتخلّي عن بيئته في وقت الشدّة.
في علم النفس الاجتماعي، ليس مسار الاستمرارية المتشدّدة لطمأنة القاعدة وبناء شرعية رمزية، هو المسار الوحيد الذي يمكن للقائد اعتماده، إذ يبقى هناك خيار آخر وهو مسار البراغماتية الحذرة، أي تجنب المخاطر العالية وتثبيت الوضع ومن ثم إدخال تعديلات تدريجيّة. لكن الاختيار بين المسارين تحدّده حالة البيئة، إن كانت متعبة، معبّأة أم مهيّأة للتغيير وطبيعة التهديد الذي يطولها، أي هل هو تهديد عابر أم وجوديّ؟
الالتزام بالغطاء العقائديّ
في خضمّ هذه المرحلة التي لا تزال انتقاليّة رغم مرور أكثر من سنة وسبعة أشهر على رحيل حسن نصراللّه، يجد نعيم قاسم نفسه اليوم أكثر من أيّ وقت مضى ملتزمًا بعقيدة فكرية صارمة مرتبطة بولاية الفقيه حيث يرى أن شرعيّته تنبثق من هذا الالتزام الفكريّ والواقعيّ. ومن هنا، يمكن أن يُفهم لجوؤه إلى إدخال "الحزب" ولبنان في حرب الثأر لخامنئي. ولاية الفقيه هنا، تفهم كـ "مرساة نفسيّة" في الدور القياديّ الذي يؤدّيه نعيم قاسم، و "غطاء عقائدي" يوفر له إطارًا شرعيًا جاهزًا، كون قاسم تجسيدًا وامتدادًا للعقيدة التي اعتمدها "حزب اللّه" منذ نشأته. كما يخفف عنه هذا الالتزام عبء اتخاذ قرار فرديّ، وهو الأمر الذي تميّز به سلفه حسن نصراللّه الذي بات مرجعًا حتى لإيران نفسها. وأخيرًا، يسمح ذلك لقاسم بتوزيع المسؤولية على مرجعية أعلى بحيث تصبح القرارات غير شخصية بالكامل، بل نابعة من إرشادات الولي الفقيه في إيران، ولا يعود قرار الحرب والسلم قرارًا قياديًا بحتًا، بل لا يمكن أن يتخذ بمعزل عن إيران، لا سيّما في ظلّ الظروف الراهنة التي وضعت كلا من إيران و "حزب اللّه" في سلّة واحدة في مواجهة أميركا وإسرائيل..
في الختام، وانطلاقًا من هذه القراءة النفسية الاجتماعية في شخصية نعيم قاسم القيادية، حتى وإن كانت بعيدة من الفهم السياسيّ المباشر، يمكن استشفاف مواقف الرجل. فهو وإن لم يستطع الحصول على شرعية كاريزماتية، والتحوّل إلى "قائد ملهم"، إلا أنه سعى ويسعى إلى إيجاد مصادر لشرعيته عبر التماسك وتفويض المهام وإعادة البنية التنظيمية "للحزب" وطمأنة القاعدة على أنه امتداد لهويّتها عبر الخطب التي تركّز على الثوابت، ولا سيّما في مواجهة إسرائيل واللغة الحادة التي ترفع السقف وتحافظ على معنويات البيئة. ولكن يبقى استنتاج أخير وهو أن نمط قاسم القيادي لا يهدف إلى صناعة لحظة انتصار، كما تعوّد جمهور "الحزب" في الحروب السابقة، بقدر ما يسعى إلى منع الانهيار وإدارة استمرارية "الحزب"...
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|