من القائمقاميتين إلى الطائف: لماذا يحتاج لبنان إلى دولة لا إلى فدرالية؟
بعبدا واليرزة يرفضان "العفو الملغّم"
يُراوح لبنان مكانه في "دوامة" تشريعية مسيسة، حيث عاد ملف العفو العام ليطفو على سطح المشهد السياسي، كساحة لتصفية الحسابات الانتخابية ورسم خرائط النفوذ الطائفي. وبينما تغرق السجون باكتظاظ يقترب من الانفجار، تنقسم القوى السياسية خلف جدران مجلس النواب حول "هوية" المستفيدين، في مشهد يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل نحن أمام إنصاف للمظلومين، أم محاولة لتبييض سجلات "تجار الموت" ومن تلطخت أيديهم بدماء المؤسسة العسكرية؟
في قلب التجاذبات القائمة، تبرز "الثلاثية التقليدية" (إسلاميون، مخدرات، وعملاء)، لكن العقبة الأكثر استعصاءً تكمن اليوم في محاولات إمرار عفو يشمل المعتدين على الجيش اللبناني. هنا، تظهر الدولة بموقف حازم تقوده بعبدا واليرزة يرفض أي صيغة تشرّع باب "التنازل" العسكري.
بالنسبة للمؤسسة العسكرية، فإن المس بكرامة البدلة المرقطة، لا سيما في الجرائم التي أدت إلى سقوط شهداء من العسكريين، هو "خط أحمر" استراتيجي لا يخضع للمساومات النيابية. فالتساهل في هذا الملف لا يعني فقط إهدار دماء الشهداء، بل تقويض معنويات المؤسسة الوحيدة التي لا تزال تشكل صمام أمان للبلاد وسط الانهيار الشامل.
على المقلب الآخر، يبرز خطر تمرير بنود "مفخخة" قد تفتح ثغرة قانونية لإخراج كبار تجار المخدرات. هذه النقطة تثير حفيظة شريحة واسعة، لاسيما في ظل تقاطع المصالح الذي قد يبرئ شخصيات مقربة من بيئات حزبية وازنة تحت ستار "رفع المظلومية" عن مزارعي البقاع أو صغار المروجين. إن تحويل العفو من مخرج إنساني للموقوفين بلا محاكمات إلى "صك براءة" لعصابات التهجير والسموم، يضرب ما تبقى من هيبة للقضاء ويجعل من المجتمع اللبناني رهينة لفئات لم تتوقف يوماً عن استباحة القانون.
وعلى وقع هذا الاشتباك التشريعي-السياسي، ينخرط بعض النواب، لاسيما المستقلين في الشارع السني، في موجة من "المزايدات النيابية" الفاضحة. هؤلاء، ورغم تأجيل الاستحقاق الانتخابي، يمارسون سياسة "بيع الأوهام" لعوائل الموقوفين، محاولين استقطاب الأصوات عبر رفع سقف المطالب إلى حدود غير واقعية، مثل المطالبة بتخفيضات لعقوبات الإعدام والمؤبد لتشمل شخصيات متورطة في فتنة داخلية واعتداءات موصوفة.
إن محاولة تصوير القانون كـ "انتصار طائفي" أو "هدية انتخابية" هي التي أدت إلى تفجير جلسات اللجان النيابية. فمن يدّعون الحرص على "أولادنا المظلومين" في السجون، هم أنفسهم من يساهمون في تمييع القانون عبر حشوه بمطالب تستفز المؤسسات الأمنية والقضائية، مما يؤدي في كل مرة إلى سحب الملف إلى الأدراج مجدداً.
لقد كشف اللقاء الأخير في قصر بعبدا أن "المَخرج" لم ينضج بعد. فرغم محاولات رئيس الجمهورية الدفع نحو مقاربة متوازنة "تؤنسن" العقوبات دون كسر هيبة الدولة، إلا أن الهوة لا تزال كبيرة. فالتنازع بين "منطق الدولة" الذي يمثله الجيش، و"منطق الزبائنية" الذي يمارسه بعض النواب، جعل من قانون العفو "جثة" تشريعية تنتظر من يجرؤ على دفنها أو إنعاشها بتسوية وطنية حقيقية.
فإما قانون عفو عادل، يستند إلى معايير حقوقية دقيقة، يحرر المظلومين والموقوفين قسراً ويراعي "الزمن السجني" المأساوي، وإما الاستمرار في نهج "العفو الملغم" الذي يكافئ القتلة وتجار المخدرات على حساب دماء العسكريين وسلامة المجتمع.
علاء خوري - ليبانون فايلز
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|