الصحافة

فشل دمج المقاتلين الأجانب: الشرع يجرّب "إعادة التدوير"

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

أعاد التوتر الأمني الذي شهدته مدينة إدلب، ليل الثلاثاء - الأربعاء الماضي، ملفّ المقاتلين الأجانب إلى واجهة المشهد السوري، في ظلّ تصاعد الخلافات بين أولئك المقاتلين والسلطة الجديدة، وتتالي المؤشرات على تعقّد جهود احتواء هذا الملف. وفي التفاصيل، اندلعت اشتباكات في محيط قرى الفوعة وكفريا وكفر جالس بين مقاتلين من الأوزبك والتركمانستان والإيغور من جهة، والقوات الحكومية من جهة أخرى، وذلك عقب مداهمات نفذتها الأخيرة ضدّ مقار لمقاتلين أجانب شاركوا قبل نحو أسبوع في محاصرة مقرّ «الأمن الجنائي» في إدلب، احتجاجاً على توقيف عنصر أوزبكي والمطالبة بالإفراج عنه. وتفيد مصادر محلية، في حديثها إلى «الأخبار»، بوقوع «عشرات الجرحى من الطرفين» خلال الاشتباكات، مشيرةً إلى «اعتقال قوات الأمن لما يزيد على عشرين مقاتلاً من الأوزبك الذين شكّلوا النسبة الأكبر من المشاركين في التمرّد، فيما اقتصر دور البقية على إسنادهم»، ومتحدّثة عن إرسال حكومة دمشق تعزيزات غير مسبوقة بغرض احتواء الموقف.

ولم يكن هذا الحدث هو الأول من نوعه؛ إذ سبق أن شهد «مخيم الفردان» في ريف إدلب، الواقع على الحدود مع تركيا، في تشرين الأول الماضي، تمرّداً مماثلاً، عنوانه التضامن مع عمر الديابي، المعروف بـ«عمر أومسن»، الذي أقام محكمة خاصة داخل المخيم المعروف بـ«مخيم الغرباء». ورغم أن الديابي انصاع أخيراً للقوانين السورية، وقَبِل بإلغاء المحكمة، إلا أن الحادثة أثبتت أن الجمر لا يزال مشتعلاً تحت الرماد.
والجدير ذكره، هنا، أن غالبية المقاتلين الأجانب ينضوون في فصائل أبرزها «الحزب الإسلامي التركستاني» و«فرقة الغرباء الفرنسيين» و«كتيبة أنصار الإسلام» و«الكتيبة الألبانية» و«جهاديو الشيشان» و«جهاديو الأوزبك» و«حراس الدين»، وجميعها تنتشر ما بين ريفَي اللاذقية وإدلب. ورغم الإعلان عن انصهار تلك الفصائل داخل «الفرقة 84» التابعة لوزارة الدفاع، إلا أن عملية الدمج بقيت شكلية؛ إذ لا تزال هذه الجماعات تحظى بمركزيتها السابقة في اتخاذ القرار، وهو ما تُظهره العديد من السلوكيات، المعزَّزة بمقاطع مصوّرة، والتي يشير بعضها إلى رفض قرارات السلطة ورئيسها أحمد الشرع.

ووفق تقديرات غير رسمية، فإن عديد هؤلاء يتراوح بين 30 و35 ألف مقاتل، جلّهم مع عائلاتهم. وكان تقرير نشرته وكالة «رويترز»، مطلع عام 2025، أشار إلى أن «واشنطن وافقت على الخطّة التي طرحتها الحكومة السورية، والتي تقضي بدمج 3500 مقاتل أجنبي تحت راية وزارة الدفاع السورية». غير أن تلك الموافقة اتُّخذت كـ«ذريعة» لإعادة «دمج» أضعاف ذلك الرقم في هذا الإطار الأخير؛ إذ تشير معلومات ميدانية إلى أن عديد المقاتلين الموجودين في ثكنات «مينا البيضا» و«سقوبين» و«الكلية البحرية» و«قرفيص» في اللاذقية، يتجاوز، وحده، العدد الذي وافقت واشنطن على اندماج الأفراد المشمولين به.
ويعكس التعامل مع هذا الملف وجود تباين داخل القيادة الجديدة حياله؛ ولطالما كان واضحاً هنا أن ثمّة تيارين متضادَّين: الأول، يرى أن ضمّ ذلك العدد الهائل، والذي يصل إلى قوام ثلاث فرق عسكرية، من شأنه أن تكون له تداعيات غير محمودة على غرف صناعة القرار في وزارة الدفاع ومدى إحكام سيطرتها على كوادرها؛ فيما يرى الثاني أن تهميش الأجانب أو إبعادهم يشكّل «طعنة» لـ«الثورة»، ولكلّ من «ترك بلاده نصرة لها». ومن المؤكد أن هذا التيار الأخير كان هو الراجح، بدليل أن العشرات من هؤلاء حظوا برتب عسكرية رفيعة، من مثل عمر محمد جفتشي (تركي)، وعبد الرحمن حسن الخطيب (أردني)، وعبد العزيز داوود خدابردي (تركستاني صيني)، وجميعهم حصلوا على رتبة «عميد» في الجيش الجديد. ويُشار، هنا، إلى أن حمَلة رتبة «عقيد»، المنحدرين من جنسيات عربية وآسيوية مختلفة، كانوا بأضعاف هذا الرقم، ومنهم بنيان أحمد الحريري (أردني)، وعلاء محمد عبد الباقي (مصري)، وعبدل صمريز بشاري (ألباني)، ومولان ترسون عبد الصمد (طاجيكي).

ومع ذلك، فإن المقاتلين الأجانب لا يمثّلون كتلة متجانسة تماماً؛ إذ تختلف درجة انضباطهم واستعدادهم للامتثال للسلطة الجديدة. وتشير التقديرات إلى أن المجموعات الإيغورية تُعدّ الأكثر قابلية للانضباط، في حين تُصنّف مجموعات أخرى ضمن الفصائل الأكثر تشدداً وصعوبة في الاحتواء، وعلى رأسها الأوزبك، ثمّ الغالبية الساحقة من الشيشان والطاجيك، وهو ما يجعل هذا الملف بالغ التعقيد.
وإذا كان من المتفق عليه أن ملفّ المقاتلين الأجانب هو نتاج سنوات الحرب الطويلة التي امتدّت لنحو 14 عاماً، فإن احتواء هؤلاء يجدر أن يتمّ بطرق غير تلك المستعملة حتى الآن. وفي حين يبدو اندماجهم في الجيش، بالنسبة إلى الغالبية الساحقة، أمراً مستحيلاً (لاعتبارات عديدة من بينها الخصوصية التي يعسر تعميمها على مجتمع كانت تجاربه فريدة لجهة التعايش الإثني والديني والطائفي والقومي على حدّ سواء)، فالظاهر أن التوترات الأخيرة مردّها - إلى جانب هذه الاستحالة - غياب الدعم الخارجي لحلّ هذا الملف، الذي لا يمكن لخيارات السلطة أن تنجح من دونه. ويفرض ذلك على الأخيرة قرار «إعادة التدوير»، سواء عبر إبعاد الأجانب عن المواقع القيادية أو عبر ترحيلهم خارج البلاد، وهو الطرح الذي كانت القاهرة أيّدته خلال زيارة وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، إليها في الثالث من الجاري.

عبد المنعم علي عيسى -الديار

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا