الأعلام لا تكذب: ماذا يقول حضور العلم اللبناني في لقاءات دمشق؟
في العلاقات الدولية، قلّما تكون التفاصيل بلا دلالة. فكل صورة رسمية، وكل ترتيب للمقاعد، وكل علم يوضع خلف المسؤولين، يحمل رسالة سياسية تتجاوز البروتوكول والشكل. ومن هنا، فإن ظهور العلم اللبناني إلى جانب العلم السوري في اللقاءات الرسمية الأخيرة لا يبدو تفصيلاً عابراً، بل مؤشراً سياسياً قد يعكس تحولًا في طبيعة العلاقة بين البلدين.
لفترة طويلة، اعتاد اللبنانيون مشاهدة لقاءات تجمع مسؤولين لبنانيين وسوريين من دون حضور واضح للعلم اللبناني، أو ضمن مشهدية كانت توحي بأن العلاقة لا تقوم بالكامل على قاعدة النديّة بين دولتين مستقلتين. كما لوحظ في مراحل سابقة، في بعض اللقاءات الرسمية، استخدام علمين للدولة السورية، وهو ما يمكن قراءته ضمن سياق الرمزية السياسية التي كانت ترافق طبيعة العلاقات في تلك الفترة. لم يكن الأمر مجرد سهو بروتوكولي، بل انعكاساً لمرحلة سياسية كاملة طغى فيها النفوذ السوري على القرار اللبناني، وتحولت فيها الحدود بين الدولة المؤثرة والدولة المتأثرة إلى حدود ضبابية.
في الدبلوماسية، العلم ليس قطعة قماش توضع للزينة، بل إعلان بصري عن السيادة. فوفق الأعراف الدبلوماسية المستندة إلى مبادئ اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية (1961)، تقوم العلاقات بين الدول على مبدأ المساواة في السيادة والاعتراف المتبادل بين الدول المستقلة. ومن هنا، فإن رفع أعلام الدول في الاجتماعات الرسمية يُعد جزءاً من البروتوكول الذي يكرّس هذا الاعتراف المتبادل ويؤكد استقلالية كل دولة وشخصيتها القانونية الدولية.
صحيح أن الاتفاقية لا تنص حرفياً على "وجوب وضع الأعلام" في كل لقاء، إلا أن البروتوكول الدبلوماسي العالمي كرّس هذا التقليد باعتباره تعبيراً مباشراً عن الاحترام السيادي المتبادل. لذلك، فإن غياب العلم في مراحل معينة لم يكن بلا دلالة، كما أن حضوره اليوم ليس بلا معنى.
حين يجلس مسؤولان أمام علمين، فذلك يعني اعترافاً متبادلاً بوجود دولتين مستقلتين، لكل منهما مؤسساتها وقرارها الوطني ورمزيتها السيادية. لذلك، فإن عودة العلم اللبناني إلى الطاولة في اللقاءات مع المسؤولين السوريين تحمل دلالات تتجاوز الصورة نفسها.
إنها رسالة بأن العلاقة، مهما كانت طبيعتها أو تعقيداتها، يجب أن تُدار ضمن إطار الاحترام المتبادل بين دولتين، لا ضمن منطق الوصاية أو التفوق السياسي. وهي أيضاً رسالة داخلية للبنانيين بأن الدولة اللبنانية، رغم ضعفها وأزماتها، ما زالت تتمسك برمزيتها السيادية وبحقها في أن تُعامل كدولة كاملة لا كساحة نفوذ.
وقد يكون من المفيد التذكير هنا بالخطاب السياسي الذي طبع مرحلة طويلة من العلاقة اللبنانية -السورية، ولاسيما في عهد حافظ الأسد، حيث رُوّج لمقولة "شعب واحد في بلدين". وهي عبارة، رغم بعدها السياسي، اسهمت عمليًا في تمييع الحدود بين السيادة والوصاية، وبين الاستقلال والتبعية.
ومن هنا، تأتي رمزية العلم اللبناني اليوم كإعادة تثبيت بصرية وسياسية لفكرة أن لبنان ليس امتداداً لدولة أخرى، بل دولة مستقلة ذات سيادة كاملة. وبالتالي يمكن التشديد أنّ : السيادة لا تبدأ في المعاهدات... بل في الصورة.
قد يرى البعض في هذا التركيز على الأعلام نوعًا من المبالغة الشكلية، لكن التجربة الدولية تثبت أن الرمزية ليست هامشية. فالدول لا تبدأ بفرض حضورها السياسي، بل بتثبيت حضورها الرمزي. والسيادة، في كثير من الأحيان، تُبنى تدريجيًا من التفاصيل التي يُستهان بها.
وهذا ما ينسجم مع ما أشار إليه هنري كيسنجر بأن الإشارات في العلاقات الدولية غالبًا ما تكون أهم من التصريحات، ما يجعل من حضور العلم أو غيابه رسالة سياسية قائمة بحد ذاتها، حتى في غياب أي إعلان رسمي.
لكن السؤال الأهم لا يكمن في الصورة نفسها، بل في ما وراءها:
هل يعكس حضور العلم تحوّلًا فعليًا في طبيعة العلاقة بين الدولتين؟
أم أنه يظل ضمن إطار إعادة ترتيب الشكل دون المساس بالجوهر؟
وهنا نصل إلى سؤال أكثر عمقًا:
المشكلة ليست في ما إذا كان العلم يُرفع أو لا، بل في ما إذا كنا نمتلك الوعي الكافي لنسأل: لماذا؟
وهذا يقودنا إلى صلب الإشكالية المرتبطة بالثقافة القانونية:
هل نمتلك، كمجتمعات، القدرة على قراءة هذه الرموز وفهم دلالاتها؟ أم أننا ما زلنا ننظر إلى القانون والسيادة بوصفهما نصوصًا مجردة، لا ممارسات حية تظهر حتى في التفاصيل البصرية؟
في النهاية، قد تختلف القراءات والتفسيرات، لكن تبقى حقيقة واحدة يصعب إنكارها:
في العلاقات الدولية، الرموز لا تُستخدم عبثًا…
والأعلام، تحديدًا، لا تكذب.
د.بولا أبي حنا - نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|