الصحافة

بين "أمل" و"الحزب"… سقوط أسطورة "الثنائي"

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم يعد ممكناً إخفاء التصدعات العميقة داخل ما يُعرف بـ”الثنائي الشيعي”. فالصورة التي طالما سُوّقت للبنانيين على أنها تحالف عضوي ثابت بين حركة “أمل” و”حz*ب ال*له”، بدأت تتفكك تحت ضغط الحرب، والانهيار الاقتصادي، وحجم الخسائر التي أصابت البيئة الشيعية نفسها قبل غيرها. ما يجري اليوم لم يعد مجرد اختلاف في الأسلوب أو تباين في التكتيك السياسي، بل تحوّل إلى أزمة ثقة حقيقية تتسلل إلى الشارع والبيوت ومراكز النزوح وحتى داخل الأطر التنظيمية الضيقة.

الحرب الأخيرة كشفت هشاشة التفاهم الذي قام لعقود على قاعدة “وحدة المصير”. جمهور واسع داخل حركة “أمل” بات يشعر أنه يُساق إلى معارك لا تشبه أولوياته، ولا تعبّر عن هواجسه اليومية. الجنوب المدمر، الضاحية المثقلة بالخسائر، والبقاع الذي يعيش انهياراً اجتماعياً واقتصادياً غير مسبوق، كلها عوامل دفعت كثيرين إلى طرح سؤال لم يكن ممكناً تداوله سابقاً داخل البيئة الشيعية: لماذا ندفع نحن وحدنا ثمن مشروع إقليمي أكبر من لبنان؟

في المقابل، لا يزال “الحزب” يتعامل مع الحرب باعتبارها امتداداً لمعركة استراتيجية مفتوحة تتجاوز الحدود اللبنانية، ويصرّ على تقديمها كجزء من “محور” يخوض مواجهة وجودية في المنطقة. إلا أن هذا الخطاب بدأ يفقد قدرته على الإقناع داخل جزء من الشارع الشيعي نفسه، خصوصاً لدى الفئات التي خسرت منازلها وأرزاقها واستقرارها، ولم تعد ترى في الشعارات الكبرى تعويضاً عن الانهيار الكامل الذي أصاب حياتها اليومية.

الأخطر أن الخلاف خرج من الغرف المغلقة إلى العلن. فحملات التخوين التي طالت رئيس مجلس النواب نبيه بري من شخصيات ومنصات محسوبة على “الحزب”، لم تمر مرور الكرام داخل حركة “أمل”. بالنسبة لكثير من كوادر الحركة ومناصريها، فإن بري لم يعد مجرد حليف سياسي لـ”الحزب”، بل أصبح خط الدفاع الأخير عن فكرة الدولة والمؤسسات، في مواجهة اندفاعة عسكرية وسياسية يعتبرون أنها تهدد ما تبقى من لبنان.

هذا التوتر انعكس مباشرة في الشارع. الإشكالات الكلامية والاحتكاكات في بعض المناطق الشيعية لم تعد مجرد حوادث فردية معزولة، بل مؤشرات إلى احتقان متراكم يتوسع بصمت. هناك جمهور شيعي بدأ يرفض منطق “الحرب الدائمة”، ويريد العودة إلى الدولة والاستقرار والحد الأدنى من الحياة الطبيعية، مقابل جمهور آخر لا يزال يعتبر أن أي تراجع هو هزيمة سياسية وعقائدية.

أما في السياسة، فالتباين أصبح أكثر وضوحاً. بري يحاول التموضع في مساحة وسطية تسمح له بالحفاظ على خطوط التواصل مع الداخل والخارج، بينما يرفع “الحزب” سقوف المواجهة إلى حدود غير مسبوقة، سواء في الملف الرئاسي أو في علاقته بالحكومة والمجتمع الدولي. هذا الاختلاف في المقاربة لم يعد تفصيلاً، بل يعكس صراعاً فعلياً على مستقبل الطائفة الشيعية ودورها داخل الدولة اللبنانية.

الحقيقة التي بات يصعب تجاهلها هي أن “الثنائي الشيعي” لم يعد متماسكاً كما كان. التحالف لا يزال قائماً شكلياً لأن الانفصال الكامل مكلف للطرفين، لكن تحت هذا السقف تتراكم الخلافات السياسية والشعبية والاجتماعية بشكل غير مسبوق. وما كان يُدار سابقاً بالتفاهمات الصامتة، أصبح اليوم مادة يومية للنقاش والانقسام داخل البيئة نفسها.

لبنان يدخل مرحلة جديدة، والشارع الشيعي أيضاً. مرحلة لم تعد فيها الشعارات وحدها كافية لإخفاء حجم التناقضات، ولا الصور المشتركة قادرة على ترميم تصدع أصاب العمق السياسي والشعبي للتحالف. السؤال لم يعد إن كان الخلاف موجوداً، بل إلى أي مدى يمكن للطرفين الاستمرار في دفنه قبل أن يتحول إلى مواجهة سياسية مفتوحة لا يمكن السيطرة عليها.

 

المصدر: beirut times

الكاتب: فرنسوا الجردي

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا