البرلمان اللبناني: مصنع تعويضات فاخر في بلدٍ يبحث عن حليب للأطفال
في الدول الطبيعية حين يفشل مجلس نيابي في حماية الاقتصاد أو منع الانهيار أو تجنيب البلاد الكوارث، يخسر أعضاؤه الانتخابات ويخرجون من الحياة العامة مثقلين بالخجل السياسي.
في لبنان، المشهد أكثر تطورًا بكثير،فالنائب قد يساهم في إيصال البلد إلى الإفلاس… ثم يغادر بمنحة تقاعدية.
كأنّ الدولة تقول له بابتسامة بيروقراطية باردة(شكرًا لأنك تحمّلت مشاهدة الانهيار من الصف الأمامي، شكرا لانك تحمّلت هذا الشعب اربع سنوات (لا تواخذنا.)
هنا تبدأ العبقرية اللبنانية الخارقة للمنطق،في الجمهورية التي تبخّرت فيها الودائع، وسقطت العملة، وتحول فيها المواطن إلى مشروع مهاجر دائم، بقي شيء واحد عصيًا على الانهيار(الامتيازات السياسية) المواطن قد يخسر منزله، عمله، ضمانه الصحي، وتقاعده،أما السياسي، فالدولة اللبنانية تتعامل مع مستقبله المالي كأنه قضية أمن قومي.
القانون رقم ٢٥ لعام ١٩٧٤ مع تعديلات لاحقة استمرت بعد اتفاق الطائف، منح النواب السابقين مخصصات وتعويضات تقاعدية ترتفع بحسب عدد الدورات النيابية، مع استفادة العائلة ضمن شروط معينة بعد الوفاة.
أي أنّ النيابة في لبنان ليست تفويضًا شعبيًا مؤقتًا،إنها أقرب إلى بوليصة تأمين سياسي مدى الحياة.
يكفي أن تدخل البرلمان مرة واحدة، أن تحفظ بعض العبارات عن (المرحلة الدقيقة)أن تمارس رياضة رفع اليد أو الانسحاب التكتيكي من الجلسات، ثم تخرج لتكتشف أنّ الدولة قررت تبنّيك ماليًا حتى نهاية العمر.
وإذا توفيت؟لا مشكلة،فالراتب نفسه يملك قدرة عجيبة على التناسخ والاستمرار أكثر من مؤسسات الدولة.
حتى الموت في لبنان لا يستطيع أن يهزم الامتيازات السياسية.
المفارقة الأكثر وقاحة أنّ هذا البرلمان نفسه يضم نوابًا يمثلون فصيلًا مسلحًا قاد البلاد إلى حروب مدمّرة، وفتح أبواب الانهيار والعزلة والدمار الاقتصادي، ومع ذلك سيغادر نوابه يومًا ما بامتيازات وتعويضات ورواتب تقاعدية من خزينة الدولة نفسها التي ساهمت تلك الحروب في إنهاكها.
كأنّ اللبناني لا يكفيه تحمّل نتائج الحروب، بل مطلوب منه أيضًا تمويل الراحة المالية لمن قادوه إليها،وهنا لا يعود المشهد سياسيًا فقط، بل يدخل منطقة العبث الكامل.
فالبرلمان الذي يُفترض أنّه مصنع التشريع، تحوّل تدريجيًا إلى مؤسسة بارعة في إنتاج شيء واحد(إعادة تدوير السلطة داخل طبقة محصّنة ضد نتائج أفعالها.
سنوات من الجلسات والخطب والبيانات والتسويات… ثم ينظر اللبناني حوله فلا يرى إلا دولة مفككة، ومؤسسات معطلة، واقتصادًا يتنفس عبر أجهزة الإنعاش الخارجية،أي مؤسسة في العالم تُقاس بما تنتجه(المصنع بالإنتاج،الجامعة بالمعرفة،المستشفى بعدد الأرواح التي ينقذها.
أما البرلمان اللبناني، فيبدو أحيانًا كالمؤسسة الوحيدة التي كلما انخفض إنتاجها… ارتفعت فاتورة صيانتها.
خذ مثلًا الجلسات الرئاسية،مسرح سياسي طويل(يدخل النواب بوجوه ثقيلة كأنهم ذاهبون لإنقاذ الحضارة، ثم يضعون أوراقًا بيضاء، يخرجون، يتحدثون عن (التوافق الوطني)ويعود البلد إلى الانهيار بانتظار الجلسة المقبلة.
لو كان تعطيل الدولة رياضة أولمبية، لامتلك لبنان ذهبية تاريخية،ثم تأتي العبقرية الإدارية الأكبر(النائب الذي يصبح وزيرًا، أو الذي يتقاضى أصلًا معاشًا عسكريًا أو وظيفيًا، يدخل في شبكة من الرواتب والتقديمات والتعويضات التي شكّلت موضع جدل قانوني ومالي واسع لسنوات.
وهكذا تتحول (الخدمة العامة)في لبنان إلى نظام اشتراك فاخر متعدد الطبقات.
راتب هنا تعويض هناك،تقاعد دائم،تقديمات مستمرة،امتيازات لا تموت. وفي المقابل، يقف المواطن الذي عمل عمره كله ليكتشف أن جنى سنواته تبخّر في المصارف أسرع من أي خطاب إصلاحي.
الناس في لبنان لا تغضب فقط لأن الدولة فقيرة بل لأنها ترى بأعينها أنّ الفقر يُفرض على الجميع… إلا على الطبقة التي أدارت الانهيار.
لهذا، فإن أول إصلاح حقيقي لا يبدأ من جيوب الناس، ولا من رفع الضرائب، ولا من جلد الموظفين بشعارات التقشف.
الإصلاح يبدأ من هنا تحديدًا(من إنهاء فكرة السياسي الأبدي.
النائب موظف عام مؤقت، لا وريث امتيازات تاريخية،راتبه يجب أن يكون مقابل عمله خلال الولاية فقط(تنتهي المهمة، تنتهي المخصصات.
أما أن يبقى البرلمان مصنعًا لإنتاج المتقاعدين الذهبيين، فيما الشعب كله يعيش على حافة الإفلاس والهجرة والذل، فهذه ليست مجرد أزمة حكم،هذا نظام كامل بنى لنفسه قارب نجاة فاخرًا… وترك البلد يغرق…
ديما حسين صلح - جنوبية
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|