الصحافة

هل نجحت سوريا بتسوية الأزمة مع مصر؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

رُبَّ صدفةٍ خيرٌ من ألف ميعاد؛ ذلك أن اللقاء السريع على "الواقف" الذي حصل بين الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي والسوري أحمد الشرع على هامش القمة الأوروبية المتوسطية التي انعقدت بقبرص في 24 نيسان/ إبريل، كان له مفعولاً وازناً، وأثمر عن نتائج تفوق بأهميتها مخرجات اجتماعاتٍ مديدة. 

المعطيات المتوافرة من أكثر من مصدر، والتحليل المعمَّق لمجريات الأسبوعين الماضيين، يؤكدان أن مسيرة عودة العلاقات لمجراها الطبيعي بين القاهرة ودمشق بدأت بالفعل، والبراغماتية الدبلوماسية السورية اخترقت حصون الراديكالية المصرية الحديثة المبنية على عدم التساهل في القضايا التي تأخذ أبعاد أيديولوجية، يمكن لها أن تؤثر سلباً على مستقبل النظام.

كانت مصر آخر دولة عربية اعترفت بالإدارة السورية الجديدة، واتصل السيسي بالشرع مهنئاً في 31 كانون الثاني/ يناير 2025، لكن المراقبون اعتبروا الاتصال من باب المُجاملة، لأن مصر كانت تُعِدّ لعقد قمة عربية استثنائية، وهي تريد حضور سوريا، أو أنها لا تستطيع تجاهل حضورها، لأن الاغتباط العربي الجامع بسقوط بشار الأسد والترحيب ببديله؛ كان ما زال مؤثراً على المشاعر. وخلال حضور الشرع للقمة في 4 آذار/ مارس 2025، كان لقاءه مع السيسي بروتوكولياً ناشفاً، ولم يوحِ بأي إيجابية، ولم تبادر القاهرة الى تعيين سفير في دمشق، على غرار غالبية الدول الأخرى.

نقاط التباين

نقاط التباين بين إدارة كل من البلدين الشقيقين متعددة ومتشعبة، والحديث عنها يطول، لكن يكفي الإشارة الى بعض العناصر التي ساهمت في التوتر، ومنها العلاقة العادية التي كانت تربط الحكم في مصر مع نظام الأسد في شهوره الأخيرة ما قبل السقوط، وكذلك التقيِّيم السلبي الذي كان لدى القيادة المصرية عن توجهات الرئيس الشرع وماضيه. ومن الطبيعي أن تتغلّغل الخشية الى أذهان المسؤولين المصرييين من المُحاباة القائمة بين الإدارة السورية الجديدة والحكومة التركية التي يقودها حزب العدالة والتنمية، وهذا الحزب لعب دوراً مُسانداً لحركة الاخوان المصرية قبل سقوط الرئيس محمد مرسي من جراء ثورة 3 يونيو 2014، ولم تعترف أنقرة بالحكم المصري الجديد إلا بعدة فترة طويلة.

ليس هناك ثوابت قاطعة في السياسة، والمصالح تفرض التصالُح، وهو ما حصل، وعادت العلاقات بين أنقرة والقاهرة الى مجراها الطبيعي، ويوحد حلف قيد التثبيت بينهما مع المملكة العربية السعودية وباكستان، وقد يكون الرئيس أحمد الشرع أول مَن التقط اللحظة المناسبة للمباشرة بإعادة بناء العلاقة السويَّة مع مصر، وهي حاجة أكثر من ضرورية للبلدين الشقيقين.

تبديد المخاوف المصرية

طار وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني الى القاهرة في 4 أيار/ مايو بناء على اتفاق نيقوسيا بين الرئيسين، ونجح في لقاءاته مع نظيره المصري بدر عبد العاطي في تبديد المخاوف المصرية من الهوى الاخوانية لدى الإدارة السورية الجديدة، وقال: "هناك تباعد واسع بين توجهات القيادة السورية والإخوان، ومصلحة سوريا، وعلاقاتها مع مصر وأشقائها العرب فوق كل اعتبار (كما نُقل عنه)"، مؤكداً رفض دمشق احتضان أي معارضين للحكم في مصر، وشاكراً دور القاهرة في استقبال أكثر من 150 نازح من سوريا إبان مرحلة الثورة على نظام الأسد.

ملفات التعاون

ملفات التعاون، كما المصالح المشتركة بين البلدين كثيرة، ولا يمكن الدخول بكل تفاصيلها في هذه العجالة. ولكن يكفي الإشارة الى أهمية التعاون بين مصر وسوريا لتفعيل التصدي للانفلاش الإسرائيلي المخيف، واسرائيل تحاول هندسة الإقليم برمته، وبما يتناسب مع مصالحها، كما تعمل على استغلال ثروات المنطقة من خلال الشركات التي يملكها رجال أعمال مؤيدين لها. ويبدو أن مسار تفعيل الاستثمارات الاستراتيجية الكبرى في سوريا وعبرها قد انطلق في مجالات النقل والنفط والغاز والتكنولوجيا، وتحاول إسرائيل وبعض مسانديها تعطيل هذه الاندفاعة وتفخيخها وتهميش الدور العربي، ومصر ليست بعيدة عن هذا الفضاء الاستثماري الهام، وهي تعرف أن لا غنى عن الموقع الاستراتيجي الذي تحتله سوريا في أي معادلة سياسية واقتصادية وأمنية جديدة.

ومن الناحية الجيوبوليتيكية؛ لا يمكن حفظ أي توازن، كما لا يمكن ضبط التهوُّر الإسرائيلي من دون تعاون دمشق والقاهرة، وتجارب الماضي واضحة في هذا السياق، برغم الإخفاقات التي حصلت عام 1962 وعام 1967. وتل أبيب تحاول إغراق سوريا بالمشاكل الداخلية من خلال دعم مجموعات انفصالية في الجنوب، وهي تستفيد من فشل الإدارة الجديدة في التعامل مع بعض المكونات المجتمعية السورية (أقله حتى الآن) لتحريض فئات منهم على طلب الانفصال (كما يحصل في محافظة السويداء) على سبيل المثال. والرئيس السيسي كان قد حذر سوريا من خطورة هذه الملفات، ودعاها لاستيعاب التنوع في المجتمع السوري، بمرونة وبعيداً عن أي اعتبار طائفي أو مذهبي.

الاتفاق على تعيين سفراء جُدُد، واستقبال الرئيس أحمد الشرع لرجل الأعمال المصري حسن علام في 5/5/2026، وهو معروف بقربه من دائرة الحكم في القاهرة؛ مؤشران دامغان على نجاح الطرفين في تجاوز تعقيدات الماضي، والتأسيس لتعاون سياسي وأمني واقتصادي جديد.

ناصر زيدان -المدن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا