تصعيد جنوب لبنان يضغط على إسرائيل... عشرات الإصابات في صفوف الجيش
قراءة قانونية في المفاوضات الجارية: بين الواقعية والسيادة
بدايةً، مع إستمرار الإجتماعات والإتصالات المرتبطة بالمفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل، وآخرها جلسات هذا الأسبوع، يبدو واضحًا أن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة عن تلك التي عرفتها منذ إتفاق الهدنة عام 1949. لسنوات طويلة، كان الخطاب السائد يقوم على معادلة بسيطة، إما حرب أو سلام. لكن ما يحصل اليوم لا يشبه الحرب الكلاسيكية، ولا يشبه السلام النهائي، بل لبنان أمام واقع جديد أكثر تعقيدًا، يمكن وصفه قانونيًا وسياسيًا بأنه "إدارة للنزاع" بدل السعي إلى حسمه النهائي، وهنا لا بد من طرح بعض الاسئلة الجوهرية : هل دخل لبنان فعلًا مرحلة جديدة تقوم على تنظيم النزاع وضبطه بدل إنهائه؟ هل يتحول التفاوض إلى بديل دائم عن الحل؟ لا شك أن القانون الدولي يظهر كأداة لحماية الدول الصغيرة، فالدول الكبرى تملك القوة، بينما تحتاج الدول الصغيرة القانون والشرعية والمؤسسات الدولية. فهل أصبح التفاوض نفسه الحل البديل عن الحل النهائي، أي بمعنى إبقاء النزاع مفتوحًا ولكن مضبوطًا، فيصبح التفاوض هدفًا بحد ذاته. قد يختلف اللبنانيون حول السياسة، لكن لا يمكن لأي دولة أن تبقى معلّقة إلى الأبد بين الحرب واللاحرب، وقد يمنح إستمرار النزاع بعض القوى أدوارًا إضافية، لكنه يستنزف الدولة نفسها تدريجيًا. أما التفاوض المدروس، القائم على السيادة والقانون، فلا يُضعف لبنان بل يعيد القرار اللبناني إلى الدولة اللبنانية، مع العلم أن بعض القوى الإقليمية والمحلية تستفيد موضوعيًا من بقاء النزاع بلا حل نهائي، فالنزاعات الطويلة تُنتج مصالح دائمة، أي مع مرور الوقت، تصبح بعض البنى السياسية والعسكرية والاقتصادية مرتبطة بإستمرار النزاع نفسه. ولكن لا تُبنى الدولة على إزدواجية القرار الأمني، فأي دولة تدخل مفاوضات مصيرية تحتاج أولًا إلى وضوح داخلي في مرجعية القرار الأمني والسيادي، لأن التفاوض الخارجي يصبح هشًا عندما تتعدد مراكز القرار في الداخل. فلا يمكن لأي عملية تفاوض طويلة الأمد أن تستقر ما لم يكن القرار السيادي موحدًا داخل الدولة نفسها، فالتفاوض لا يُضعف الدول عندما تكون مؤسساتها قوية، بل يكشف فقط مدى قدرتها على إمتلاك قرارها السيادي بنفسها. فالمشكلة ليست في أن يفاوض لبنان، بل في أن يبقى عاجزًا عن تحديد من يملك فعليًا حق التفاوض بإسمه. من هنا، يطرح الكاتب بعض الأفكار والملاحظات الأساسية المتعلقة بموضوع المفاوضات التي تجرى في واشنطن.
أولاً، المجتمع الدولي لم يعد يبحث دائمًا عن "الحلول النهائية"
من يراقب تطور القانون الدولي خلال العقود الأخيرة يلاحظ تحولًا عميقًا في طريقة إدارة النزاعات. في الماضي، كانت الأولوية لمعاهدات السلام الكبرى والتسويات النهائية، أما اليوم، فأصبح التركيز على منع الانفجار وإحتواء التصعيد وإنشاء آليات رقابة وتنسيق، وقد أشار يورام دينشتيان إلى أن
Modern international conflicts are often managed rather than resolved (1) ، أي أن المجتمع الدولي بات يميل إلى إدارة النزاعات بدل حلّها بالكامل، فهل يتحول الجنوب اللبناني إلى منطقة أمنية دولية غير معلنة بمفهوم منطقة ذات وضع أمني خاص تخضع لتوازنات دولية أكثر منها للسيادة التقليدية، فتدخل المنطقة عصر اللاحرب واللاسلام، ولا تتجه منطقة الشرق الأوسط الجديد بالتالي إلى حروب شاملة ولا إلى سلام كامل بل إلى نزاعات مضبوطة يمكن ربطها بـلبنان وغزة وسوريا والبحر الأحمر مثلًا.
ثانياً، من هدنة 1949 إلى تفاهمات 2024 المسار نفسه يتكرر
عندما وُقّع اتفاق الهدنة عام 1949، لم يكن الهدف إنهاء النزاع اللبناني-الإسرائيلي، بل وقف الأعمال العسكرية ومنع توسع المواجهة، وقد نص الاتفاق بوضوح على أن "أحكام الهدنة لا تمس الحقوق أو المطالب النهائية لأي من الطرفين"(2)، أي أن النزاع بقي قائمًا قانونيًا. واليوم، بعد أكثر من سبعين عامًا، يبدو أن المنطق نفسه يعود بصيغة أكثر تطورًا وتتمثل بوقف الأعمال العدائية وآليات المراقبة وتفاهمات تقنية واجتماعات دورية، لكن دون معاهدة سلام أو تسوية نهائية.
ثالثاً، الواقعية السياسية ليست إستسلامًا
من جهة أولى، قد يعتبر البعض أن أي حديث عن القانون الدولي أو التفاوض هو نوع من المثالية، بحجة أن "القوة وحدها تحكم المنطقة"، لكن هذه المقاربة تبقى ناقصة. نعم صحيح أن ميزان القوى عنصر أساسي، إلا أن التجربة الدولية أثبتت أن القانون الدولي لا يُلغي القوة، بل ينظم آثارها ويمنع تثبيتها نهائيًا. في قضية Nicaragua v. United States (1986)، أكدت محكمة العدل الدولية أن "حظر إستخدام القوة هو أحد المبادئ الأساسية في النظام الدولي"(3). وهذا يعني أن الوقائع العسكرية قد تفرض ضغوطًا، لكن القانون هو الذي يحدد ما إذا كانت هذه الوقائع ستتحول إلى حقوق دائمة أم لا. من جهة أخرى، لا يعني التفاوض الإستسلام، وهو ليس نقيض المقاومة عندما يكون هدفه تثبيت حقوق الدولة، فحتى أكثر النزاعات دموية في العالم إنتهت إلى طاولات تفاوض، لا إلى حروب دائمة، كمثال إيرلندا الشمالية، الهند وباكستان، الكوريتين، ومصر-إسرائيل... وهناك ثمة من يخلط عمدًا بين التفاوض والإستسلام، رغم أن التاريخ الدولي مليء بدول فاوضت خصومها من موقع قوة القانون الدولي والتمسك بالحقوق. فالتفاوض لا يلغي عناصر القوة بل يعيد تنظيمها، والدول لا تتخلى عن عناصر قوتها بمجرد دخولها التفاوض، بل تسعى إلى تحويل هذه القوة من حالة صدام مفتوح إلى موقع قانوني وسياسي أكثر إستقرارًا. أي بكلام مختصر، التفاوض ليس نزعًا تلقائيًا للقوة بل إعادة تعريف لوظيفتها داخل الدولة. فهل يملك لبنان فعلًا أوراق قوة قانونية؟ الجواب المباشر هو إيجابي، وربما أكثر مما يُعتقد أحيانًا، فلبنان يستند إلى قرارات أممية واضحة وإعتراف دولي بسيادته وإتفاقات تؤكد وحدة أراضيه ومرجعيات قانونية تمنع فرض الوقائع بالقوة، وهذا ما يجعل التفاوض ليس مجرد خيار إضطراري، بل وسيلة لتحويل هذه المرجعيات إلى مكاسب عملية.
رابعاً، الخطر ليس في التفاوض بل في الغموض
التفاوض بحد ذاته ليس المشكلة، تبدأ المشكلة عندما تصبح المصطلحات غامضة والإلتزامات غير واضحة والحدود القانونية مفتوحة للتأويل، وقد حذّر مالكوم شاو من أن
Ambiguous legal arrangements often generate future disputes. (4) ، أي أن الاتفاق الغامض قد يؤجل الأزمة بدل حلها، ولهذا، تكمن مصلحة لبنان الحقيقية في الوضوح والتحديد الدقيق وعدم ترك أي بند مفتوح لتفسيرات متناقضة مستقبلًا. كما أخطر ما قد يواجهه لبنان هو التفسيرات اللاحقة للإتفاق، ففي القانون الدولي ليست المشكلة دائمًا في النص، بل في كيفية تفسيره لاحقًا بمعنى أن بعض الكلمات الصغيرة قد تتحول إلى إلتزام كبير أو تنازل غير مباشر، ونعود الى المقولة الشهيرة في القانون الدولي وهي أن الكلمة الصغيرة قد تغيّر مصير دولة، ويمكن أن يكون أخطر ما في المفاوضات ما قد لا يُكتب فيها، ففي العلاقات الدولية أحيانًا لا تُكتب التفاهمات الحقيقية بل تُفهم ضمنيًا بين الإشارات والسلوك والصمت والإمتناع.
خامساً، امكانية تحول التفاوض التقني إلى واقع سياسي دائم
هنا تكمن إحدى أكثر النقاط حساسية، وتُظهر التجارب الدولية أن الإجتماعات التقنية المتكررة وآليات التنسيق الطويلة الأمد، قد تنتج مع الوقت واقعًا قانونيًا وسياسيًا جديدًا. وهذا لا يعني بالضرورة "تطبيعًا" أو "سلامًا"، لكنه قد يؤدي إلى نوع من الإعتراف الوظيفي المتبادل. لذلك، يحتاج لبنان إلى دقة إستثنائية في صياغة البيانات وتحديد طبيعة الإجتماعات وتوصيف أي تفاهم جديد. فهل تتحول الإجتماعات المتكررة إلى "عرف تفاوضي" ملزم؟ في القانون الدولي قد يؤدي التكرار المنتظم للممارسة إلى نشوء عرف (Customary Practice) أي أن كثرة الإجتماعات وإنتظام آليات التواصل وإعتماد لغة معينة قد يُستخدم لاحقًا للقول أن هناك "إطار تفاوضي دائم" بين الطرفين.
سادساً، بين إدارة النزاع والحفاظ على السيادة
يجعل الواقع الإقليمي الوصول سريعًا إلى تسوية نهائية شاملة مسألة صعبة، لكن هذا لا يعني أن لبنان عاجز، بل على العكس، قد تكون المرحلة الحالية فرصة لـتثبيت الحقوق وتقوية موقع الدولة وإعادة بناء القرار السيادي ضمن إطار قانوني واضح. وهنا تحديدًا تظهر أهمية أن تبقى الدولة اللبنانية نفسها هي المرجعية الأساسية لأي تفاوض أو إلتزام. وتنظر بعض القوى في لبنان إلى أي تفاوض أو تهدئة أو تنظيم للنزاع كتهديد مباشر لوظيفتها السياسية والعسكرية، وربما تفضل أن تقوم بالتفاوض الفعلي بذاتها وخارج الدولة بمفهومها الدستوري الحاسم، لكن المشكلة هنا ليست فقط سياسية، بل دستورية وسيادية أيضًا، لأن الدولة بطبيعتها تسعى إلى احتكار القرار السيادي وضبط إستخدام القوة وحماية الإستقرار، بينما يؤدي عمليًا بقاء النزاع مفتوحًا بشكل دائم إلى إستمرار وجود مراكز قوة موازية للدولة. في كل دول العالم، تُبنى الجيوش لحماية الدولة، أما أخطر ما قد تواجهه أي دولة، فهو أن يصبح إستمرار النزاع نفسه ضرورة لبقاء قوى موازية داخلها. فمن يحتاج إستمرار النزاع؟ من يستفيد من بقاء اللاحرب واللاسلام والتوتر الدائم، فالدولة الطبيعية تسعى إلى تثبيت السيادة وتنظيم القوة وبناء الإستقرار، بينما غالبًا ما تستمد الكيانات العسكرية غير الرسمية جزءًا من شرعيتها من إستمرار النزاع. وبالعودة الى الفقيه Max Weber الذي عرّف الدولة بأنها "الجهة التي تحتكر الاستخدام المشروع للقوة داخل الإقليم"، يمكن أن نجزم على أن أي مسار تفاوضي يعيد القرار الأمني والعسكري تدريجيًا إلى الدولة اللبنانية، يمكن إعتباره إستعادة لوظيفة الدولة الطبيعية لا تنازلًا، وتكمن خطورة النزاعات المفتوحة في أنها تجعل القرار الوطني أكثر عرضة للتأثر بالتوازنات الإقليمية والدولية، بدل أن يبقى نابعًا حصريًا من المصلحة اللبنانية. الدولة القوية ليست الدولة التي تعيش في حرب دائمة، بل الدولة التي تستطيع أن تفاوض وأن تردع وأن تحافظ على قرارها السيادي في آن واحد. في كثير من الأحيان، لا تصبح المشكلة في الحرب نفسها، بل في نشوء توازنات داخلية وإقليمية تعيش على إستمرارها، وعندما يتحول النزاع إلى جزء من البنية السياسية، يصبح أي مسار تفاوضي حقيقي تهديدًا لمصالح راسخة، لا مجرد إختلاف في وجهات النظر. فيكون الخوف الحقيقي ليس من التفاوض، بل من قيام دولة طبيعية، وربما لا يكمن جوهر الإعتراض على أي مسار تفاوضي في مبدأ التفاوض نفسه، بل في ما قد ينتج عنه تدريجيًا: دولة أكثر مركزية، وأكثر قدرة على إحتكار قرارها الأمني والسيادي لتصحيح الأخطاء الجسيمة للحركات غير الشرعية التي أوصلت الى حالة الحرب المدمرة.
سابعاً، حاجة لبنان إلى رؤية قانونية شاملة
لا يحتاج لبنان فقط إلى وفد تفاوضي، بل إلى رؤية قانونية متكاملة تشمل تحديد الأهداف وضبط اللغة القانونية والإستفادة من الإجتهادات الدولية ومنع أي التباس في توصيف النزاع، لأن أخطر ما يمكن أن يحصل ليس التفاوض نفسه، بل أن يتحول التفاوض إلى مسار مفتوح بلا أفق قانوني واضح. فلا يحتاج لبنان اليوم ل "دولة عميقة تفاوضية"، فينشئ بين الملفات الطويلة واللجان والخبراء الدوليين والوسطاء نظامًا تفاوضيًا دائمًا أقوى أحيانًا من الدولة نفسها، فينشئ دولة تفاوضية موازية في لبنان على غرار الدويلة الموجودة.
الخاتمة: بين الواقعية والحق
ربما تسمح أو لا تسمح الظروف الحالية بحلول كبرى أو نهائية، لكن هذا لا يعني أن لبنان محكوم بالتراجع أو فقدان أوراقه، فالواقعية الحقيقية لا تعني التخلي عن القانون، بل استخدامه بذكاء ضمن توازنات المنطقة. ومن هنا، فإن نجاح لبنان لا يُقاس فقط بما يوقّعه، بل أيضًا بكيفية صياغته للاتفاقات وبقدرته على حماية موقعه القانوني طويل الأمد، لأن القوة قد تفرض الوقائع مؤقتًا، لكن القانون هو الذي يقرر ما إذا كانت هذه الوقائع ستتحول إلى حقوق دائمة أم تبقى موضع نزاع.
المحامي إميل عون - نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|