الصحافة

ما بعد زيارة ترامب للصين... عودة الحرب مع إيران قريباً؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

أعادت زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للصين خلط حسابات الحرب والتفاوض مع إيران، في وقت تتصاعد فيه المؤشرات إلى أن وقف إطلاق النار الحالي قد لا يكون مستقراً أو طويل الأمد. فالتوتر في مضيق هرمز، والخلاف حيال اليورانيوم المخصب، والتصريحات الأميركية الأخيرة بشأن استئناف الحرب، كلها عوامل دفعت مجدداً إلى طرح احتمال مواجهة جديدة في الشرق الأوسط.

وفي هذا المناخ، تحولت زيارة ترامب لبكين من محطة مرتبطة بالتنافس الأميركي - الصيني إلى مساحة نقاش بشأن مستقبل الحرب مع إيران، وحدود الدور الصيني في احتواء التصعيد أو التأثير على طهران.

الصين بين طهران وواشنطن

تُعد الصين الدولة الأكثر نفوذاً في إيران، وقد طلب المسؤولون الأميركيون منها مراراً استخدام هذا النفوذ خلال الحرب الجارية. ومع ذلك، ظل رد بكين حذراً، رغم أن ضغطها على طهران للقبول بشروط وقف إطلاق النار في نيسان/أبريل كان مؤثراً.

وقد أظهرت بكين دعمها لطهران خلال الحرب بطريقتين أساسيتين: الأولى عبر مواصلة شراء النفط الإيراني، والثانية من خلال تقديم أنواع مختلفة من المساعدات العسكرية السرية. وإضافة إلى ذلك، ساعدت الصين إيران عبر إرسال قطع مزدوجة الاستخدام لبرامج الصواريخ والطائرات المسيّرة، وكذلك عبر تزويد القوات الإيرانية بصور جوية مكّنتها من تحسين معلوماتها بشأن الأهداف الأميركية والإسرائيلية.

وفي الوقت نفسه، لدى الصين أسبابها الخاصة التي تدفعها إلى السعي لإنهاء المواجهة بين إيران والولايات المتحدة. فاقتصادها يتضرر من ارتفاع أسعار الطاقة، كما أن أي ركود عالمي قد يضر بصادراتها التي تُعد المحرك الرئيسي لنموها الاقتصادي. أما احتياطياتها الاستراتيجية من النفط، فعلى الرغم من أهميتها، فإنها ليست غير محدودة.

وقد شجعت بكين المسؤولين الإيرانيين على التفاوض مع الولايات المتحدة، لكنها لا ترغب في الانخراط في أجواء توتر تعتبرها أساساً مشكلة ينبغي على واشنطن حلها. ومع ذلك، لا تزال الصين قادرة على تقديم حوافز مختلفة لطهران للتعاون مع واشنطن، مثل القروض والاستثمارات وعروض المساعدة في إعادة الإعمار بعد الحرب. لكنها، في المقابل، لا تبدو مستعدة للضغط على إيران للتخلي عن برنامجها النووي.

نقاط ضعف أميركية
كشفت الحرب مع إيران عن بعض نقاط الضعف العسكرية الأميركية، الأمر الذي منح الصين قدراً أكبر من الثقة في الضغط في ملف تايوان. ففي سياق هذا الصراع، اضطرت الولايات المتحدة إلى نقل جزء من تجهيزاتها العسكرية من آسيا، كما تراجعت مخزوناتها من الذخائر.

ويرى القادة الصينيون أن الولايات المتحدة قوة في طور التراجع، لكنها تصبح في الوقت نفسه أكثر خطورة. فهم يدركون أن تراجع النفوذ الاقتصادي والديبلوماسي لواشنطن قد يدفعها إلى الاعتماد أكثر على الأداة التي لا تزال تمتلك فيها تفوقاً واضحاً، وهي القوة العسكرية.

وبالنسبة إلى الصين، فإن إغلاق هرمز يشكّل مصدر قلق كبيراً. فالصين هي أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، وتؤمن نحو 70 في المئة من احتياجاتها النفطية من الخارج، ويعبر ما يقارب ثلث هذه الكمية عبر مضيق هرمز.

وقبل زيارة ترامب للصين، كانت هناك آمال بأن تتمكن القوتان الاقتصاديتان والعسكريتان الكبريان من التوصل إلى تفاهم بشأن إنهاء الحرب بين إيران والولايات المتحدة. غير أن ما حدث خلال الزيارة لم يكن في مصلحة واشنطن كثيراً، إذ كان أهم مطلبين أميركيين من الصين في ما يتعلق بإيران يتمثلان في عدم إرسال معدات عسكرية إلى طهران، والمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز.

غير أن إيران سعت إلى إفشال الخطة الأميركية، ففتحت مضيق هرمز أمام السفن الصينية بالتزامن مع زيارة ترامب للصين. وفي هذا السياق، سمحت طهران، يوم الأربعاء بالتزامن مع وصول ترامب إلى بكين، لناقلة نفط صينية عملاقة تحمل مليوني برميل من النفط، وكانت عالقة في الخليج منذ أوائل آذار/مارس، بالعبور.

وفي اليوم التالي، أعلنت البحرية الإيرانية أن أكثر من ثلاثين سفينة، معظمها صينية، عبرت مضيق هرمز بإذن من إيران. لكنها شددت في الوقت نفسه على أن السفن الأميركية والإسرائيلية لا تزال ممنوعة من المرور، وأن بقية السفن يجب أن تحصل على إذن من القوات المسلحة الإيرانية.

وقد أدى هذا القرار إلى إحراق ورقة الضغط التي كان ترامب يسعى لاستخدامها للحصول على تنازلات من الصين بشأن فتح مضيق هرمز.

هل تعود الحرب؟

في ختام زيارته الصين، صرّح ترامب في مقابلة صحافية بأن الحرب ضد إيران قد تُستأنف. كما أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن واشنطن لن تقدم أي تنازلات لإيران، وهو ما يعكس وصول المسار الديبلوماسي إلى طريق مسدود.

وتزامنت هذه التصريحات مع تقارير أفادت بأن الإدارة الأميركية رفضت المقترحات المكتوبة التي قدمتها إيران عبر باكستان لإنهاء الحرب، وأصرت على أن تقوم طهران قبل أي اتفاق بتسليم 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب إلى الولايات المتحدة أو إلى دولة ثالثة توافق عليها واشنطن.

في المقابل، اقترحت إيران إجراء مفاوضات على مرحلتين، تبدأ الأولى بإعلان إنهاء الحرب في جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، وفي حال تلبية شروط إيران تبدأ المرحلة الثانية من المفاوضات التي تتناول الملف النووي.

ويتمثل الهدف النهائي للولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق انتصار ملموس يضمن عدم وصول إيران إلى ما يُعرف بـ"نقطة الاختراق النووي". ولذلك، يبقى وقف إطلاق النار الحالي هشاً ما لم تتم معالجة هذه المسألة الجوهرية.

ثلاثة خيارات أمام واشنطن
تشير تصريحات ترامب الأخيرة إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل لن تعتبرا الحرب منتهية ما لم تتمكنا من السيطرة على مخزون اليورانيوم المخصب في إيران. ولتحقيق ذلك، تبرز أمامهما ثلاثة خيارات رئيسية:

الخيار الأول يتمثل في تنفيذ هجوم جوي وبري بهدف الاستيلاء على مخزون اليورانيوم، على غرار العملية التي جرى تنفيذها قبل أيام من وقف إطلاق النار بذريعة إنقاذ طيار أميركي في وسط إيران، لكنها فشلت، وفقاً للرواية الإيرانية. غير أن فكرة إدخال قوات خاصة إلى عمق منشآت شديدة التحصين لسرقة مواد نووية تبدو أقرب إلى سيناريوات الأفلام، نظراً إلى ارتفاع مخاطر الخسائر البشرية وتعقيد نقل المواد المشعة.

أما الخيار الثاني، فيقوم على تسليم المخزون عبر المسار الديبلوماسي، وهو الخيار الذي يبدو أنه لا يزال المفضل لدى ترامب. غير أن واشنطن ترى أن تحقيق هذا الهدف قد يكون أسهل تحت ضغط الحرب. فترامب رجل صفقات، واستراتيجيته تقوم على إضعاف البنية التحتية للخصم ثم دفعه إلى طاولة المفاوضات من موقع ضعف.

وتسعى واشنطن، عبر ضغوط اقتصادية قاسية، إلى دفع إيران لتقديم مخزونها من اليورانيوم مقابل رفع العقوبات. والنموذج الذي تفضله الولايات المتحدة هو تعليق طويل الأمد للبرنامج النووي، ربما لمدة عشرين عاماً، مع رقابة صارمة.

أما الخيار الثالث، فيتمثل في تنفيذ ضربة "شبه نووية" لتدمير مخزون اليورانيوم، والمقصود بذلك استخدام قنابل خارقة للتحصينات شديدة القوة، قادرة على اختراق طبقات سميكة من الخرسانة. ويُعد هذا الخيار بمثابة "عصا ردع" مطروحة على الطاولة، لكنه شديد الكلفة والمخاطر، ولا يُلجأ إليه إلا إذا اتجهت إيران نحو تخصيب اليورانيوم بنسبة 90 في المئة أو إذا فشلت الديبلوماسية تماماً.

مرحلة جديدة بعد الحرب

في ضوء هذه المعطيات، تبدو استراتيجية البيت الأبيض قائمة على مزيج من الضغط لتحقيق تسليم ديبلوماسي لمخزون اليورانيوم، مدعوماً بالتهديد باستخدام القوة العسكرية عند الضرورة. ويُعد الغموض الاستراتيجي الذي ينتهجه ترامب جزءاً من سياسة تهدف إلى إنهاك الخصم ودفعه نحو "اتفاق شامل" تكون فيه مخزونات اليورانيوم الحساسة الورقة الأهم على طاولة التفاوض.

وفي هذا السياق، يعود السؤال الأساسي إلى الواجهة: هل تقترب المنطقة من جولة حرب جديدة مع إيران؟

فالمواقف المتناقضة والمتغيرة باستمرار التي صدرت عن المسؤولين الأميركيين خلال الشهرين الماضيين جعلت قادة الجمهورية الإسلامية لا يثقون في رغبة واشنطن في التفاوض، خصوصاً أن الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران وقعت مرتين أثناء سير المفاوضات.

ويرى بعض المسؤولين الإيرانيين أن وراء التصريحات العلنية للمسؤولين الأميركيين خططاً عسكرية خفية، وأن الحرب التي استمرت أربعين يوماً كانت في جانب منها اختباراً عملياً لنقاط القوة والضعف لدى إيران. ومن المرجح، وفق هذا التصور، أن يجري مستقبلاً التركيز على استغلال نقاط الضعف وتحييد نقاط القوة، وهو ما قد يفتح الباب أمام اندلاع مواجهة جديدة خلال أيام أو أشهر.

وفي المقابل، يبدو أن مواجهة هذه السياسة الأميركية تتطلب من طهران تعزيز قدرتها الوطنية بالاعتماد على رضا المواطنين وتماسكهم، وفي الوقت نفسه المبادرة إلى السعي نحو اتفاق شامل مع الولايات المتحدة عبر المسار الديبلوماسي.

فواشنطن لن تكون مستعدة لعقد اتفاق مع طهران إلا إذا رأت قوة داخلية حقيقية وتماسكاً وطنياً في إيران. أما إذا اعتقدت أن الدعم الشعبي للنظام ضعيف وأن الفجوة بين الحكومة والطبقة الوسطى واسعة، فمن غير المرجح أن تقدم تنازلات، وستواصل على الأرجح سياسة الضغوط الثلاثية: التهديد والعقوبات والحرب.

ويبقى عنصر آخر بالغ التأثير في هذا المشهد، وهو إسرائيل. فما دامت إسرائيل تشعر بوجود تهديد من جانب إيران، فإنها لن تتوقف عن العمل لتشكيل تحالفات معادية لطهران، وقد تبادر إلى عمليات عسكرية أو اغتيالات حتى مستقلةً عن الولايات المتحدة.

وعليه، يبدو أن مرحلة جديدة من التوتر والصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل قد بدأت، وهي مرحلة تختلف عن الوضع الذي كان سائداً قبل الحرب الأخيرة. وفي هذه المرحلة الجديدة، قد لا تكون الأساليب السابقة لطهران كافية لدرء التهديدات، ما يفرض على صنّاع القرار الإيرانيين التحلي بقدر أكبر من الجرأة في اتخاذ قرارات استراتيجية للتعامل مع ظروف شديدة التعقيد.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا