العفو العام: بين التسويات السياسية والخطوط الحمراء الأمنية
كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth“:
أقرّت اللجان النيابية المشتركة، الثلاثاء، اقتراح قانون للعفو العام، بعد أسابيع من النقاشات الحادة والتأجيلات المتتالية. إلّا أنّ النص، الّذي لا يزال يحتاج إلى تصويت الهيئة العامة لمجلس النواب قبل إقراره المحتمل، يواصل إثارة انقسامات سياسية، وقضائية، وأمنية عميقة، سواء في مضمونه أو في ما يتعلق بالفئات الّتي قد يشملها.
غير أنّ قرار رئيس مجلس النواب نبيه بري، أرجأ صباح الأربعاء الجلسة العامة الّتي كان من المقرر انعقادها يوم الخميس، إلى موعد لاحق. وجاء في بيان صادر عن مكتبه الاعلاميّ صباحًا: “نظرًا للأحداث الّتي شهدتها مناطق مختلفة، وما رافقها للأسف من تحريض طائفيّ ومذهبيّ، تقرر تأجيل جلسة الغد إلى موعد يحدد لاحقًا، تحت عنوان التوافق”.
وبالنسبة إلى الخبير الدستوريّ والقانوني سعيد مالك، في حديث إلى موقع Ici Beyrouth، فهذا التأجيل كان ضروريًّا في ضوء التوترات الّتي أثارها النص. واعتبر الأخير أنّ إقرار الاقتراح “في صيغته الحالية” بصورة متسرعة كان يمكن أن يؤديَ إلى “كارثة حقيقية”، داعيًا إلى المزيد من “التفكير، والدرس، والتشاور” قبل أي إقرار نهائيّ.
من جهته، شدد النائب بلال عبد الله، في مقابلة مع موقع Ici Beyrouth، على أنّ “تأجيل هذه الجلسة ليس بخطأ، بل قرار تفرضه ضرورة الوصول إلى توافق، لأنّ هذه الملفات تتطلب اتفاقًا واسع النطاق”.
وأضاف عبد الله: “نشارك في النقاشات المشتركة، ونحن على اطّلاع بالملاحظات المطروحة، والنقاط الّتي لا تزال قيد البحث”. وتابع: “ندافع عن مقاربتنا الخاصة، وهي مقاربة ديموقراطية ووطنية وإنسانية، تستند إلى المصلحة العامة لا إلى الاعتبارات الحزبية”. ويُذكَّر، في هذا السياق، بأنّ الحزب التقدميّ الاشتراكيّ، الّذي ينتمي إليه السيد عبد الله، كان قد قدّم نسخته الخاصة من النص لدراستها. وبحسب قوله، “يبدو، مع ذلك، أنّ الوضع لا يزال معلّقًا، وأنّ تأجيلات جديدة تبقى واردة”.
ولكن، ما الذي يتضمنه اقتراح القانون بالتحديد؟ ولماذا يثير كل هذا الجدل؟
تسوية حول العقوبات والموقوفين الإسلاميين
يرتكز النص الّذي أقرّته اللجان المشتركة أساسًا على توسيع نطاق المستفيدين من العفو ليشمل عددًا كبيرًا من الجرائم والأحكام، مع الإبقاء على بعض الاستثناءات المتعلقة بأخطر الجرائم. غير أنّ تعديلات متعددة أُدخلت في خلال النقاشات بهدف تقريب وجهات النظر بين الكتل النيابية المختلفة، والاستجابة لتحفّظات المؤسسة العسكرية.
وكان من أبرز البنود الّتي حظيت بتوافق استبعاد جرائم القتل العمد من نطاق العفو. وقد جرى تثبيت هذا البند، الّذي طُرح منذ اجتماعات اللجان الأولى، في الصيغة النهائية التي أُقرّت الثلاثاء.
ثمّ تركزت النقاشات على العقوبات الأشدّ. ووفق الصيغة المعتمدة في نهاية المطاف، تُخفَّض عقوبة الإعدام إلى ثماني وعشرين سنة سجنية، تُحتسب على أساس تسعة أشهر عن كل سنة، أي ما يعادل نحو واحد وعشرين عامًا ونصف العام من السجن الفعليّ. أمّا المحكومون بالسجن المؤبد، فتُخفَّض عقوباتهم إلى سبعة عشر عامًا سجنيًّا.
كما ينصّ النص على تخفيضات في العقوبات في عدد من الحالات، لا سيّما بالنسبة إلى موقوفين متورطين في قضايا أمنية، أو ملاحقين في ملفات مرتبطة بالإسلاميين.
حسم النواب أيضًا المسألة الحساسة المتعلقة بدمج العقوبات في الملفات الّتي تتضمن أحكامًا متعددة. وبمعنى آخر، تُطبَّق العقوبة الأشد، مع إمكان إضافة ربع مجموع العقوبات الأخرى إليها بقرار من القاضي. ونصت صيغة النص الأولى على إضافة نصف العقوبات الإضافية.
وفي السياق عينه، تُخفَّض العقوبات المرتبطة بجرائم ارتُكبت قبل الأول من آذار 2026 بمقدار الثلث، باستثناء أحكام الإعدام والسجن المؤبد. وقد تُخفّض بذلك عقوبة سجن مدتها ست سنوات إلى أربع سنوات.
قد يستفيد من هذه التدابير عدد من الموقوفين الإسلاميين، وهو ملف مطروح للنقاش منذ سنوات. إذ تندد قوى سياسية سنية وعائلات سجناء، منذ فترة طويلة، بطول المحاكمات وفترات التوقيف، خصوصًا في الملفات المرتبطة بأحداث نهر البارد، وطرابلس، وعبرا، عام 2013.
مع ذلك، أبقت اللجان على مجموعة من الاستثناءات. وينصّ النص خصوصًا على أنّ العفو لا يُطبَّق إذا رفض ذوو ضحايا جرائم القتل التنازل عن حقهم الشخصي، وهو بند يطال بشكل خاص الملفات المرتبطة بالمواجهات مع الجيش اللبناني.
ويبقى مصير الشيخ السلفي أحمد الأسير محاطًا بالغموض. فالأسير، المحكوم في قضية معارك عبرا الّتي أدت إلى مقتل جنود لبنانيين عام 2013، يُعتبر من أبرز المعنيين بمشروع القانون. غير أنّ عددًا من المسؤولين البرلمانيين تجنبوا الإدلاء بمواقف علنية بشأن مصيره، في وقت اتُّهم فيه بعض النواب بالسعي إلى تمرير نص قد يسهّل الإفراج عنه. وتشير مصادر برلمانية أيضًا إلى أنّ أحكامًا جديدة محتملة قد تزيد وضعه القضائيّ تعقيدًا.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الدستوريّ والقانونيّ سعيد مالك أنّ ثمة خط أحمر لا ينبغي تجاوزه. ويقول: “لا يجوز أن يستفيد من العفو من اعتدى على الجيش اللبنانيّ، أو على القوى الأمنية”، معتبرًا أنّ “دماء شهداء الجيش مقدسة”.
ويضيف إنّ عددًا من بنود النص يثير إشكاليات دستورية، إذ قد تتعارض بعض التمييزات بين فئات الموقوفين مع مبدأ المساواة الّذي يكفله الدستور. ويوضح: “عندما يستفيد شخص من تخفيف أو إعفاء من العقوبة، بينما يُحرم آخر من ذلك لأسباب غير واضحة، يمسّ ذلك بمبدأ المساواة بين المواطنين”.
ويختم بأنّه يتعيّن أن يبقى العفو تدبيرًا استثنائيًّا، وألّا يتحول إلى بديل عن العدالة والمسؤولية الجزائية.
المخدرات، ولبنانيّو إسرائيل، والموقوفون من دون محاكمة
يواجه النص أيضًا معارضة شديدة من عائلات العسكريين الّذين قُتلوا في مواجهات مع مجموعات مسلّحة. وبالنسبة إليهم، يُعتبر أي عفو قد يستفيد منه أشخاص متورطون في هجمات على الجيش، مساسًا بتضحيات الجنود.
وللرد على هذه الاعتراضات، أدخلت اللجان بندًا يتيح لذوي العسكريين القتلى الادعاء شخصيًّا أمام المحاكم للمطالبة بحقوقهم وبتعويضات مدنية، حتى في بعض الملفات المشمولة بالعفو. وقد قُدّم هذا الإجراء على أنّه محاولة لأخذ هواجس المؤسسة العسكرية، وعائلات الضحايا، بعين الاعتبار.
كما تناولت النقاشات الجرائم المرتبطة بالمخدرات، حيث شدد النواب على ضرورة التمييز بين كبار المتاجرين، والمستهلكين، وصغار المروّجين. وتُبقي الصيغة المعتمدة العقوبات على شبكات التهريب الكبرى، فيما يُفترض إطلاق سراح “الصغار” والمستهلكين فور دخول القانون حيّز التنفيذ.
لكنّ مالك يدعو إلى تطبيق هذه الأحكام بشكل صارم، مؤكدًا ضرورة ممارسة “أقصى درجات الحزم” بحق من “يتاجرون بحياة الشباب ومستقبلهم”، مع الإبقاء على إمكان التخفيف في الحالات الأقل خطورة.
من جهة أخرى، برز ملف آخر إلى الواجهة، وهو ملف اللبنانيين المقيمين في إسرائيل، أو الّذين فرّوا إليها بعد الانسحاب الاسرائيليّ عام 2000. وقد اتفق النواب على تطبيق قانون عام 2011 المتعلق بهذا الملف فورًا، من دون انتظار مراسيمه التطبيقية. وينص هذا التشريع على تسليم عناصر جيش لبنان الجنوبيّ السابق إلى الجيش اللبنانيّ، ومحاكمتهم وفق القوانين المرعية، فيما يُسمح لعائلاتهم بالعودة إلى لبنان ضمن آليات تحددها الحكومة. وبحسب مالك، فإنّ هذا التدبير “يعيد تصحيح ظلم” طال بعض العائلات المعنية بهذا الملف.
أمّا في ما يخصّ الموقوفين الّذين يمضون سنوات طويلة في السجن من دون حكم نهائيّ، فقد شكّل هذا الملف أحد أبرز حجج المدافعين عن النص. ووفق مصدر برلمانيّ، ستُحدَّد العقوبات في هذه الحالات بسقف 14 سنة سجنية، بينما قد يستفيد من هم في طور المحاكمة من إطلاق سراح مؤقت، إلى حين صدور الأحكام النهائية.
ويبقى أنّ مشروع العفو العام لم يُحسم بعد، إذ يتعيّن انتظار الجلسة العامة المقبلة لمناقشة اقتراح القانون في البرلمان، وتعديله عند الاقتضاء، ثمّ التصويت عليه، ومن ثمّ إصداره أو رده لإعادة درسه من قبل رئيس الجمهورية، قبل نشره في الجريدة الرسمية.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|