عن لقاء لم يكتب له النجاح بين عون والحزب
يدور النزاع السياسي في لبنان بين مستويين: الأول يمثله حزب الله والإيرانيون في الخلفية. منطلق هذا الفريق أن الربط مع الجبهة الإيرانية هو السبيل للوصول إلى وقف فعلي لإطلاق النار وإنهاء الحرب الاسرائيلية. لذلك يراهن الحزب على الدور الإيراني، ويبقي اتصالاته مع طهران مفتوحة، ويردد أن التنسيق مع الإيرانيين، عبر قناة وزير الخارجية عباس عراقجي، يتم بصورة «لحظوية» ومباشرة. كما أن رسالة الأخير التي أذاعها عراقجي متوجهاً إلى الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم جاءت، بحسب مصدر مسؤول، في سياق تأكيد التزامات القيادة الإيرانية تجاه الحزب، وقد أريد لها أن تكون رسالة علنية وواضحة.
في المقابل، يواصل الحزب عملياته العسكرية، بهدف الحفاظ على موقعه على طاولة التفاوض، عبر استخدام القوة، ولمنع إسرائيل من تثبيت وجودها في الجنوب. البعد الأهم، أن الحزب يبحث عن دولة راعية فعلية، تضمن تنفيذ أي اتفاق، وتضمن عدم تعرض الحزب وبيئته مجدداً للاستهداف. وهو يرى أن هذه الضمانة لا يمكن أن توفرها سوى إيران، لا فرنسا أو الأمم المتحدة، اللتان حضرتا في اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، من دون أن تنجحا في وقف الاعتداءات الإسرائيلية.
في الضفة الثانية تقف الدولة اللبنانية وهي تجاهر بضرورة فصل أي اتفاق إيراني عن مسار التأثير في لبنان، بل إن رئيس الجمهورية جوزاف عون يكرر بصراحة أنه المسؤول المباشر والمعني الأول بأي تفاوض يتعلق بالملف اللبناني، وأنه إذا أرادت إيران التفاوض من أجل لبنان لا عليه، فعليها التنسيق معه شخصياً.
تشكل هذه النقطة مدخلاً لمحاولة فصل المسارات عن إيران، وإلتزام مسار التفاوض عبر واشنطن، وهو المسار الذي ذهبت إليه رئاسة الجمهورية. وهناك اعتقاد شبه راسخ داخل السلطة بأن هذا المسار يجب أن يؤدي إلى وقف لإطلاق النار، وأن استمراره مرهون بقدرة واشنطن على توفير هذا الوقف وضمانه.
لهذا، حاولت السلطة اللبنانية خلال الساعات الماضية استيضاح ما يجري من مداولات إقليمية، بعد تصاعد الحديث عن احتمال التوصل إلى اتفاق وشيك في المنطقة. وبحسب مصدر مسؤول، أعادت الدولة اللبنانية التذكير بالتزاماتها وثوابتها الأساسية، لكن خلف هذا الكلام برزت خشية فعلية من تجاوز السلطة اللبنانية والتعامل معها باعتبارها مجرد جزء من «باكيج» إقليمي أوسع.
خلال الأيام الماضية، ومع ارتفاع الحديث عن احتمال ذهاب طهران وواشنطن إلى اتفاق قريب، حاول وسطاء «تزويج» المسارين ، على أساس أن المسار الإيراني يأتي مكملاً لمسار واشنطن. بمعنى أن تقدم إيران، في سياق مذكرة الإتفاق الإطاري الوشيك، وقفاً شاملاً لإطلاق النار في لبنان وتسلمه إلى الحزب باعتبار ذلك جزءاً من التزاماتها تجاهه، وتبقى في عهدة واشنطن صيغة تفاوض حول الحل النهائي في لبنان، تقدم إلى الحكومة اللبنانية. وبذلك تتحقق، وفق أصحاب هذه المقاربة، صيغة «رابح - رابح».
حتى اللحظة، ما تزال بنود أي اتفاق قيد الصياغة، وسط نزاع مفتوح بين الأميركيين والإيرانيين حول المصطلحات، دخلت إسرائيل على خطه بقوة. فتل أبيب، وإن حافظت على الوتيرة نفسها من التصعيد الميداني، زادت منسوب التشويش السياسي عبر إرسال إشارات واضحة عن رفضها لأي اتفاق يشمل لبنان.
وفي هذا السياق، شدد الجيش الإسرائيلي خلال الأيام الماضية على أنه لا ينوي الانسحاب من جنوب لبنان، لكنه طرح في المقابل فكرة «إعادة التموضع»، وربطها بما سماه «حرية العمل» ثم ربطها بإستعداده للتصدي لأي هجوم ضده. أي أن إسرائيل تسعى عملياً إلى ضمان حرية الحركة العسكرية داخل الأراضي اللبنانية حتى بعد أي اتفاق.
ذلك ما ترفضه الأوساط الإيرانية، ويتردد أن طهران أعربت عن رفضها أي صيغة لمذكرة جانبية بين إسرائيل والولايات المتحدة تمنح تل أبيب حق التحرك العسكري داخل لبنان.
وبالعودة إلى فكرة التزاوج بين المطلبين الإيراني والأميركي، ثمة من يعتقد أن هذا الربط لا يمكن أن يمر من دون لقاء مباشر بين رئيس الجمهورية جوزاف عون وحزب الله.
وقد جرت بالفعل مساعٍ متعددة في هذا الاتجاه، قاد بعضها مقربون من الرئيس، مثل النائب إبراهيم كنعان، فيما قاد البعض الآخر شخصيات قريبة من الثنائي الشيعي، ويتردد بقوة اسم الوزير السابق علي حمية. كما نشط خط أمني تولى ترتيب لقاءات مع مسؤولين في الحزب، بينهم النائب حسن فضل الله والمسؤول الأمني الحاج حسين عبدالله. وصحيح أن هذه اللقاءات اتخذت طابعاً أمنياً، لكنها حملت أيضاً أبعاداً سياسية واضحة.
كل تلك الاتصالات كانت تهدف إلى أمر واحد: تهيئة الظروف للقاء بين عون والحزب من أجل تقريب وجهات النظر. ومن هنا برزت فكرة تتعلق بضمان أمن الداخل اللبناني، وتجاوز التناقضات المرتبطة بمسألة التفاوض المباشر، خصوصاً أن التقارير الأمنية تتحدث عن مخاوف من حصول صدامات داخلية إذا تطور المسار التفاوضي، أو من دخول «طابور خامس» إلى المشهد، في وقت لا يزال فيه النازحون والناس في الطرق.
كان من المفترض عقد اجتماع في بعبدا قبل نحو أسبوعين. وفي هذا الإطار، نُقلت رسائل شديدة الإيجابية: الأولى عن رئيس الجمهورية، الذي قيل إنه يتفهم موقف الحزب وليس في وارد التآمر على أي مكون لبناني؛ والثانية جاءت على لسان النائب حسن فضل الله، الذي أبدى استعداداً للقاء عون؛ أما الثالثة فصدرت عن مسؤولين آخرين بالغوا في الإيجابية تجاه الرئيس السوري أحمد الشرع إلى حد وصفه بـ«الأخ»، فجاء التعليق يومها بأن هذه الإيجابية يفترض أن «تلفح بعبدا بشيء منها».
ضمن هذه المشهدية، برز رأي شيعي يحاول التوفيق بين النقيضين، يقوم على مبدأ «إعطاء الفرصة». أي عدم السماح بالاستفراد بلبنان في أي تصعيد أو تفاوض، وعدم ترك الرئاسة تمضي وحدها في المسار الذي تريده، وفي الوقت نفسه عدم فرض قرار على الدولة من خارج مؤسساتها.
ومن هذا المنطلق، عاد البعض لطرح فكرة بناء مساحة حوار بين الرئاسة والمقاومة، بما يسمح لكل طرف بتقوية موقع الآخر بطريقة معينة، ويمنع ظهور فراغ قد يستغله آخرون للتحرك، لإزالة أي مخاوف لدى الطائفة الشيعية بأن هناك من يحاول استفرادها سياسياً وأمنياً.
لكن العقبة الأساسية التي تحول دون تطور أي لقاء أو حصوله تتمثل في انهيار الثقة. فالحزب يعتبر أن الرئيس ماضٍ في أجندة وبخيار سياسي، وسبق أن انقلب على تفاهمات، فيما يتهم فريق الرئيس الحزب بمحاولة الهيمنة على قرار الدولة وموقف الحكومة.
ليس سراً أن هذا الكلام ارتفع منسوبه داخل بعبدا. فبعيداً من سلوك بعض المستشارين الذين يُنظر إليهم على أنهم يتعاملون بعدائية واستعلاء تجاه الحزب، يُنقل عن الرئيس نفسه قوله إن الحزب يريد اختزال موقف الدولة بموقفه، ومنعها من حق التفاوض ودفعها إلى حيث يريد.
في المقابل، يرد الحزب بأن الرئاسة تسعى إلى استغلال أي لقاء معه لتأمين غطاء لمسار التفاوض المباشر، وإظهاره وكأنه رضخ أو وافق على الخيارات المطروحة. ويرى الحزب أن الأمر يتجاوز العلاقة الثنائية، ليصل إلى محاولة خلق تصدع داخل جبهة إيران - الحزب، عبر استخدام الحزب نفسه لعزل إيران عن ملف وقف إطلاق النار، أو فصل المسارات عملياً.
ذلك ما يفسر، في نظر قيادته، التراجع المفاجئ أحياناً عن مواقف أو مواعيد أو مبادرات، خشية أن يُفهم أي انفتاح على أنه قبول ضمني بمسار لا يوافق عليه بالكامل.
وخلال الأسبوع الماضي، عُقد لقاء جديد بين الوسطاء ومسؤولين من الحزب، لكنه لم يفضِ إلى نتيجة. وفُهم أن الحزب ليس في وارد الذهاب إلى بعبدا حالياً، وخصوصاً قبل أيام قليلة من الاجتماع الأمني المرتقب في واشنطن بين وفد من الجيش والإسرائيليين، حتى لا تُفسر أي خطوة على أنها تغطية لهذا المسار.
وقد اشترط الحزب، للذهاب إلى اي لقاء ثنائي ما الرئيس، أن تعلن الرئاسة تجميد المشاركة في الحد الأدنى، لكن الرئاسة رفضت ذلك، معتبرة أن التزامات لبنان غير قابلة للنقاش. وعندها صيغ سؤال عن مدى التزام الآخرين تجاه لبنان، بعدما أدى ما يسمى وقف إطلاق النار، منذ منتصف نيسان الماضي، إلى سقوط أكثر من 500 شهيد مدني.
وعلى القاعدة نفسها، طالب الحزب أيضاً بتجميد المسار التفاوضي بكل جوانبه، ولا سيما السياسي منه، مقابل استعداده للحوار مع بعبدا ما قوبل برفضها.
عبد الله قمح - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|