كسر حصرية "الميدل إيست" و"فلاي بيروت" تنطلق... أول طائرة تنضم إلى أسطولها الأسبوع المقبل
بعد نحو خمسة عقود اضطلعت خلالها شركة "طيران الشرق الأوسط" (الميدل إيست) بدور الناقل الوطني الأساسي للبنان، دخلت الحصرية التي تمتعت بها عمليا في سوق النقل الجوي اللبناني مرحلة النهاية، مع إعلان رئيس لجنة الأشغال العامة والنقل والطاقة النائب سجيع عطية فتح المجال أمام شركات طيران لبنانية وعربية ودولية جديدة، عبر مناقصات عامة تهدف إلى تعزيز المنافسة، وتوسيع الخيارات أمام المسافرين، وتحفيز الحركة الاقتصادية وتوفير فرص عمل جديدة.
ويتزامن فتح السوق الجوية اللبنانية مع إعادة إحياء مشروع تشغيل مطار القليعات شمالا، في خطوة تشكل أحد أبرز التحولات في قطاع الطيران منذ التسعينيات. وينظر إلى المشروع على أنه جزء من رؤية تهدف إلى تخفيف الضغط عن مطار رفيق الحريري الدولي، وتوسيع البنية التشغيلية للقطاع، وفتح المجال أمام شركات الطيران الاقتصادي، مستفيدا من انخفاض كلف التشغيل فيه مقارنة بالمطارات الرئيسية، على غرار نماذج معتمدة في دول أوروبية وخليجية.
غير أن هذا التحول يأتي بعد مرحلة شديدة الحساسية أدت خلالها "الميدل إيست" دورا تجاوز البعد التجاري التقليدي، إذ تحولت خلال الأعوام الأخيرة، وخصوصا في ظل الحرب والاضطرابات الأمنية والاقتصادية، إلى ما يشبه الضمان التشغيلي لاستمرار الربط الجوي للبنان بالخارج، من خلال طياريها وطاقمها الفني والإداري، ما عزز موقعها لاعبا أساسيا في استقرار حركة الطيران اللبنانية. كذلك نجحت، مدى الأعوام الماضية، في ترسيخ حضورها لاعبا رئيسيا في حركة الطيران من بيروت وإليها، مستفيدة من خبرتها التشغيلية وقدرتها على الاستمرار في العمل خلال مراحل حساسة شهد فيها القطاع اضطرابات متكررة وانسحاب عدد من الشركات الأجنبية من السوق اللبنانية.
وإذ تؤكد مصادر متابعة أن قرار الحصرية أو إلغائها أو تمديدها يعود حصرا إلى مجلس الوزارء، تشير في المقابل إلى أن "الحصرية" لها إيجابياتها وسلبياتها، فإلغاء الحصرية من شأنه أن يخفّض قيمة شركة "طيران الشرق الأوسط"، خصوصا أنها قد تباع مستقبلا في إطار إعادة أموال المودعين. وتاليا، فإن رفع الحصرية قد ينعكس سلبا على المودعين لأنه يؤدي إلى تراجع القيمة السوقية للشركة.
لكن النقاش الحالي لم يعد يقتصر على مسألة الحصرية أو دور "الميدل إيست" وحده، بل بات يتصل بإعادة هيكلة السوق الجوية اللبنانية بما يسمح بإدخال شركات جديدة وخيارات أوسع للمسافرين، ويستجيب في الوقت عينه لمطالب قديمة بفتح الأجواء اللبنانية وتعزيز المنافسة وخفض كلفة السفر والشحن، خصوصا بالنسبة إلى المغتربين اللبنانيين الذين لطالما طالبوا بتوفير رحلات بأسعار أكثر مرونة.
"فلاي بيروت" نسخة اقتصادية من "الميدل إيست"
التحول المرتقب لا يجري خارج "الميدل إيست"، بل من داخلها أيضا. فخلال الاحتفال بالذكرى الثمانين لتأسيس الشركة العام الماضي، أعلن رئيس مجلس الإدارة محمد الحوت إطلاق شركة "فلاي بيروت" كذراع منخفضة الكلفة مخصصة للمسافرين الباحثين عن أسعار أقل، مؤكدا في الوقت عينه أن معايير السلامة والأمان ستكون مطابقة تماما لتلك المعتمدة لدى "الميدل إيست".
الشركة الجديدة التي ستبدأ تشغيل رحلاتها في صيف 2027 ستكون مملوكة بالكامل لـ"الميدل إيست"، فيما سيتولى طيارو الشركة الأم ومهندسوها تشغيلها، مع إدارة تجارية مستقلة ونموذج عمل مختلف يقوم على خفض الخدمات التشغيلية واستخدام مطارات ثانوية في بعض الدول الأوروبية بدلا من المطارات الرئيسية ذات الرسوم المرتفعة.
وعوض الهبوط في مطارات كبرى مثل شارل ديغول في باريس، ستتجه "فلاي بيروت" إلى مطارات أقل كلفة، على غرار ما تعتمده شركات مثل "ترانسافيا" أو "فلاي دبي". ويعني ذلك خفض الخدمات المجانية داخل الطائرة، بما في ذلك الأمتعة والطعام والخدمات الإضافية، مقابل الإبقاء على سعر أساسي أقل للتذكرة.
المشروع بحسب المعطيات بات في مراحله التنفيذية، إذ ينتظر وصول أول طائرة للشركة الأسبوع المقبل، فيما بدأت "الميدل إيست" عمليا بفتح خطوط جديدة مثل برلين وأمستردام تمهيدا لإدخال الشركة الجديدة إلى الخدمة. ويجري التحضير لإطلاق الهوية البصرية والشعار الرسمي لـ"فلاي بيروت" عبر مسابقة تصميم خاصة، علما أن الشركة ستعزز أسطولها في المرحلة الأولى بين 5 و7 طائرات من نوع 320 airbus.
هل تعني شركات الـLow Cost دائما أسعارا أفضل؟
رغم الحماسة لفكرة شركات الطيران المنخفضة الكلفة، يلفت العاملون في القطاع إلى أن الصورة ليست بهذه البساطة.
رئيس الهيئة الناظمة للطيران المدني الكابتن محمد عزيز يشار إلى أن مفهوم الـLow Cost لا يعني دائما أن "الكلفة النهائية ستكون أقل، لأن كثيرا من هذه الشركات يعتمد نموذج التذكرة الأساسية الرخيصة قبل إضافة رسوم الأمتعة واختيار المقاعد والطعام والخدمات الأخرى، ما قد يجعل الرحلة في نهايتها أعلى سعرا من الرحلات التقليدية".
ويضيف: "هذا النموذج يناسب عادة الرحلات القصيرة أو المسافرين الذين يتنقلون بسرعة ومن دون حقائب كثيرة، لكنه يصبح أقل جاذبية كلما طالت الرحلة أو ازدادت الحاجة إلى الأمتعة والخدمات الإضافية، خصوصا بالنسبة إلى العائلات والمغتربين الذين يسافرون بحقائب كبيرة ولفترات طويلة.
وفي التجارب العالمية، استطاعت شركات الطيران الاقتصادي تحقيق نجاح واسع في الرحلات الإقليمية والقصيرة داخل أوروبا والخليج، لكنها غالبا ما تبقى أقل ملاءمة لرحلات المسافات الطويلة التي تتطلب خدمات أكثر وراحة تشغيلية أعلى".
ويلفت عزيز إلى أن "إنشاء شركات طيران جديدة يتطلب رساميل ضخمة وخبرات تقنية وتشغيلية عالية، إضافة إلى منظومة رقابية دقيقة، ما يجعل أي عملية توسع في حاجة إلى دراسة واقعية تأخذ في الاعتبار حجم السوق اللبنانية وقدرتها على استيعاب أكثر من ناقل".
ينتظر لبنان مرحلة جديدة في قطاع الطيران تجمع بين المحافظة على خبرة "الميدل إيست" ودورها التاريخي، وإدخال نماذج تشغيل أكثر تنوعا وقدرة على جذب فئات جديدة من المسافرين، بما يفتح الباب أمام سوق أكثر تنافسية، من دون التفريط بعناصر الاستقرار التشغيلي التي شكلت طوال السنوات الماضية أحد أبرز عوامل صمود قطاع الطيران اللبناني.
محطات في تاريخ “الميدل إيست”
1945: تأسيس "طيران الشرق الأوسط" وانطلاق رحلاتها من بيروت إلى دول المنطقة والخليج.
1963: التوسع نحو أوروبا وإفريقيا بعد الاندماج مع "آر ليبان".
1975 – 1990: حافظت الشركة على استمراريتها رغم الحرب الأهلية وإقفال مطار بيروت.
1998 – 2004: تنفيذ خطة إعادة هيكلة نقلت الشركة من الخسائر إلى الربحية.
2006 – 2007: استمرار التشغيل خلال حرب تموز والحصار الجوي على لبنان.
2008 – 2010: تحديث الأسطول بطائرات “إيرباص” وتوسيع شبكة الوجهات.
2012: الانضمام إلى تحالف SkyTeam وتمديد الحصرية.
2015: افتتاح أكاديمية الشرق الأوسط للطيران ومركز الشحن الجوي.
2019: أول شركة تطلب طائرات Airbus A321XLR عالميا.
2020: تشغيل رحلات إجلاء خلال جائحة كورونا وتسلم طائرات “نيو” الحديثة.
2023: افتتاح “المبنى الأخضر” للإدارة العامة في مطار رفيق الحريري الدولي.
محطات حصرية “الميدل إيست”
في 5 أيار 1968، أقرّ مجلس الوزراء عدم منح تراخيص لشركات طيران لبنانية جديدة لنقل الركاب لمدة 20 عاما، على أن تنتهي الحصرية عام 1989، وذلك استناداً إلى المرسوم الاشتراعي رقم 28 الصادر في 5 آب 1967 والذي منح شركة طيران الشرق الأوسط حق الاستثمار الحصري للنقل الجوي النظامي.
عام 1992، مُددت الحصرية لمدة 20 عاما إضافية حتى عام 2012، لأن الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975 حرمت الشركة الإفادة الفعلية من الامتياز خلال سنوات طويلة.
عام 2012، حصل تمديد ثانٍ لمدة 12 عاما حتى 2024، مدعوماً بتحقيق الشركة أرباحاً قبل ذلك بسنوات، بهدف "الحفاظ على المكتسبات وتفعيلها"، بحسب مبررات القرار الحكومي آنذاك.
في آب 2024، مددت الحصرية مجددا لمدة سنة و5 أشهر، بعدما استند مجلس الوزراء إلى رأي صادر عن هيئة التشريع والاستشارات اعتبر أن المهل القانونية عُلّقت بين 18 تشرين الأول 2019 و22 آذار 2021 بسبب التعبئة العامة خلال جائحة كورونا.
سلوى بعلبكي -النهار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|