الصحافة

احتلال لبنان هدفًا تعويضيًا: سلّةُ "جوائز ترضية" لإسرائيل

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

تتعامل إسرائيل مع ملفّ المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران باعتباره واحداً من أكثر الملفّات إرباكاً لها في المرحلة الحالية. فالتقدير الغالب في تل أبيب هو أن التوصّل إلى اتفاق بات أقرب إلى التحقّق - على الرغم من التعثّر الحالي -، لكنّ المشكلة بالنسبة إليها تكمن في قصورها عن حسم ما سيتضمّنه هذا الاتفاق من خطوط وحدود، وما سيتركه من تأثيرات. وفي السياق، تُثار في الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية جملة من التساؤلات الجوهرية التي تفتقر إلى إجابات واضحة: هل ستكون الصفقة شاملة أم مرحلية؟ هل ستكبّل يد إيران وتحدّ من تحركاتها الاستراتيجية، أم أنها على العكس ستمنحها هامشاً أوسع للمناورة؟ هل ستفضي إلى اجتثاث البرنامج النووي الإيراني وفق ما تتطلّع إليه إسرائيل، أم أنها ستكتفي باحتواء الأزمة من دون حلول نهائية وحاسمة؟ وهل ستشمل القدرات العسكرية الإيرانية، وشبكة علاقات طهران مع حلفائها في لبنان وعموم المنطقة، أم ستغفل هذه الملفات الحيوية؟ كذلك، يُثار هاجس آخر يتعلّق بالفوائد الاقتصادية والمادّية التي قد تجنيها طهران من وراء الصفقة، والتي تنظر إليها تل أبيب بعين الريبة والتحسّب، خشيةَ أن توظّف الأولى تلك المكاسب في تعزيز وضعها في الداخل وإنهاء مشاكلها الاقتصادية، بل وتخصيص موارد إضافية لتعزيز حضورها الإقليمي وقدراتها العسكرية والاستخبارية؟

وإذا كانت تلك الشكوك والتساؤلات تُعدّ مؤشراً إضافياً على فشل الحرب على إيران في تحقيق أهدافها، فإن النقاش في إسرائيل لم يعُد حول ما إذا كانت هذه الحرب فشلت أم لا، بل حول حجم هذا الفشل، وما يقابله من إنجازات ملموسة يمكن أن تحصدها إيران، وما إذا كانت إسرائيل قادرة على احتواء تداعيات ذلك أو الحدّ منها على الأقل. في هذا الإطار، تستشعر إسرائيل محدودية تأثيرها في البنود الجوهرية في الاتفاق المتبلور بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تبدو واشنطن منشغلة بالسعي الحثيث لإتمامها، حتى لو لم تصبّ في مصلحة الشريك الإسرائيلي. وعلى الرغم من ما تَقدّم، تبقى لتل أبيب مساحة للتعويض من الناحية العملية، خارج الإطار الإيراني المباشر، وذلك عبر السعي لانتزاع مزيد من العطاءات الأميركية التي تشمل القدرات القتالية والوسائل اللوجستية والاستخبارية، بما يعزّز القدرة الإسرائيلية على مواجهة القوة الإيرانية لاحقاً، والتي يُرتقب، في مرحلة ما بعد الاتفاق، أن تتعاظم عسكرياً واستخبارياً ولوجستياً على الصعيدَين الدفاعي والهجومي.

أيضاً، قد تشمل محاولة التعويض هذه، الدفع قدماً نحو ربط المصالح الإسرائيلية بمصالح عدد من الدول الخليجية، مع التركيز بصورة خاصة على الإمارات، التي تموضعت، بشكل كلّي تقريباً، إلى جانب إسرائيل، وما زالت. أمّا في الساحة الفلسطينية، فتسعى تل أبيب إلى استكمال ما تعتبره أهدافاً للحرب، سواء عبر قضم المزيد من أراضي قطاع غزة، أو الدفع نحو ما تسمّيه «الهجرة الطوعية» للفلسطينيين، بالتوازي مع تسريع مشاريع الاستيطان والضمّ في الضفة الغربية.

ويبقى الأهمّ من ما تَقدّم كلّه، بالنسبة إلى إسرائيل، العمل على تحسين وضعها الميداني والسياسي في الساحة اللبنانية حيث يكمن التهديد الأكبر، وذلك استباقاً للاتفاق المتبلور بين طهران وواشنطن، وتداعياته المحتملة على المصالح والأهداف الإسرائيلية في تلك الساحة. وهنا، يمكن رصد أكثر من اتجاه للعمل الإسرائيلي في لبنان:

أولاً، محاولة التأثير في الشقّ اللبناني من الاتفاق المحتمل، بحيث يقتصر الأخير على وقف إطلاق النار، من دون أن يتضمّن أيّ إلزام لإسرائيل بالانسحاب من لبنان، سواء أكان جزئياً أم كاملاً، دفعة واحدة أو عبر دفعات.

ثانياً، العمل على فرض وقائع ميدانية جديدة من خلال احتلال أكبر مساحة ممكنة من الأراضي، لتتحوّل هذه الوقائع إلى أوراق ضغط تستخدمها تل أبيب في مرحلة ما قبل الاتفاق وما بعده، وذلك ضمن معادلة تقوم على «الأرض مقابل تفكيك حزب الله».

ثالثاً، العمل على تحويل ماهية الوجود الإسرائيلي في لبنان من قوّة احتلال إلى «جيش يؤمّن مصالح دولته»، وذلك إلى حين تنفيذ الدولة اللبنانية «التزاماتها» المتمثّلة بنزع سلاح «حزب الله»، ليتبع هذا التنفيذ الانسحابُ من لبنان. والهدف المتقدّم، يُعدّ من أبرز ما تسعى إسرائيل إلى تكريسه عبر المفاوضات الجارية مع السلطة اللبنانية، إلى جانب إصرارها على تثبيت ما تسمّيه «حرية العمل»، بما يشمل شنّ الهجمات وتنفيذ الاغتيالات من دون ردود مقابلة. وإذ تدرك إسرائيل أن السلطة اللبنانية عاجزة عن تحقيق ما تطالب هي به، أي تفكيك «حزب الله»، فهي قد تتذرّع بالعجز المذكور لتبرير بقاء قواتها ورفض الانسحاب. وعليه، تبدو النتيجة التي تسعى إليها إسرائيل واضحة: تكريس احتلال دائم أو شبه دائم لـ«المنطقة العازلة» في الجنوب اللبناني، ومنع عودة الأهالي إليها، واستكمال عمليات التجريف والتدمير فيها، بالتوازي مع تثبيت وقف إطلاق نار طويل الأمد يخلو من الفعل المقاوم، الذي كان جرى تجريمه أصلاً من الدولة اللبنانية نفسها، وهو ما سيفضي في النتيجة إلى سيطرة إسرائيلية دائمة بلا أفق زمني واضح.

مع ذلك، تبقى التساؤلات قائمة حول ما إذا كانت إسرائيل قادرة على تحقيق تلك الأهداف؟ والإجابة على هذه التساؤلات تظلّ مُعلّقة بين احتمال النجاح في فرض بعض الوقائع، واحتمال الفشل الذريع في تكريسها، فيما ستبقى النتيجة النهائية مرتبطة عضوياً بمآلات الاتفاق الأميركي - الإيراني من جهة - وهو عامل خارج السيطرة الإسرائيلية المباشرة -، وما ستؤول إليه المواجهة الميدانية الجارية من جهة أخرى.

يحيى دبوق -الاخبار

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا