رسالة إلى الرئيس برّي: بيروت الكبرى مدينة خالية من السّلاح
أظهر حدثان أنّ الأرض تتحرّك تحت “الحزب” في بيئته الشيعيّة: تدوينة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب التي أوقفت النار، ولو مرحليّاً، عن بيروت، والنداءان اللذان أطلقهما مئات المثقّفين والناشطين في النبطيّة وصور لإعلانهما مدينتين مفتوحتين وخاليتين من السلاح.
عبّر الأوّل عن انعقاد الإجماع اللبنانيّ على مرجعيّة ترامب، باعتباره “الوحيد القادر على صناعة وقف إطلاق نار حقيقيّ”، على حدّ تصريح رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي لصحيفة “نيويورك تايمز”.
بذلك لا يكون التفاوض بالضمانة الأميركيّة محلّ إجماع فقط، بل “هو الطريق الوحيد”، بحسب الرئيس برّي، الذي أكّد بعبارة لا تحتمل اللبس أنّه يضمن التزام “الحزب” وقف إطلاق نار جدّيّاً، وأنّ هذه الرسالة آتيةٌ من “الحزب” مباشرة. تبقى النقطة الأهمّ التي فكّك برّي الخلاف عليها، وهي فصل المسار اللبنانيّ عن المسار الإيرانيّ، إذ قال إنّ المهمّ أن يتحقّق وقف إطلاق النار، ولا يهمّ إن كان بالفصل عن المسار الإيرانيّ أو عبره، مخالفاً بذلك موقف “الحزب” الذي كان يتمسّك بربط المسارين ويأخذ على رئيس الجمهوريّة والحكومة الإصرار على فصلهما.
برّي ينزع الصّواعق
يعود الثنائيّ الشيعيّ، بعد ثلاثين عاماً من الحروب والأثمان، إلى النظريّة التي دافع عنها الشهيد رفيق الحريري يوماً، وعارضه فيها “الحزب” إلى حدّ التخوين، والتي تقول بأنّ عداء العرب لأميركا في مصلحة إسرائيل. ويسلّم بأن لا مفرّ من التفاوض مع إسرائيل، وبأن لا طريق للتفاوض سوى التسليم بمرجعيّة الأميركيّ كراعٍ وضامن، ولو كان ساكن البيت الأبيض دونالد ترامب، الرئيس الذي قدّم لإسرائيل ما لم يقدّمه رئيس آخر، من نقل السفارة الأميركيّة إلى القدس، إلى الاعتراف بضمّ الجولان، إلى ضرب إيران. ليس في الأمر حبٌّ للأميركيّين، بل إقرارٌ متأخّرٌ بحقائق السياسة الدوليّة.
يجهد الرئيس برّي لنزع صواعق التفجير على خطوط كثيرة. يجهد لحماية بيروت الكبرى وما بقي من الجنوب، ويجهد لإعادة “الحزب” إلى الحظيرة اللبنانيّة بعيداً عن مسار التفاوض الإيرانيّ عبر إسلام آباد، ويجهد لحياكة قنوات تفاوض تحفظ مكانة الدولة ولا تكسر “الحزب”، ويجهد لئلّا يفاوض الشيعة وحدهم لأنّ الحرب ليست حربهم وحدهم، بل إنّ كلّ لبنانيّ يدفع ثمنها في أمنه واقتصاده ومعاشه.
وفّر بيان السفارة اللبنانيّة في واشنطن الحدّ الأدنى من حفظ ماء الوجه للدولة بتأكيده أنّ “السلطات اللبنانيّة (تلقّت) تأكيداً لموافقة “الحزب” على المقترح الأميركيّ الذي يقضي بوقفٍ متبادل للهجمات”. يحاول البيان الإيحاء أنّ الدولة التي تفاوض في واشنطن ليست آخر من يعلم، لكنّ ما قاله ترامب كان أكثر وضوحاً حين قال إنّ التواصل بين “الحزب” والأميركيّين تمّ “عبر ممثّلين”، أي ليس عبر الدولة اللبنانيّة. كان واضحاً قبل ذلك أنّ “الحزب” تمنّع عن إعطاء التزام واضح للدولة يسهّل على رئيس الجمهوريّة جوزف عون التفاوض مع الأميركيّين لانتزاع وقف إطلاق نار قبل عيد الأضحى، لأنّه كان ينتظر مسار التفاوض الإيرانيّ. هكذا فوّت على اللبنانيّين فرصة الاتّصال الذي جرى بين عون ووزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو.
أخيراً سلّم “الحزب” بمرجعيّة واشنطن كراعٍ وضامنٍ للتفاوض، لكن يبقى أن لا يسلّم بمرجعيّة الدولة في موقع التفاوض فقط، بل في موقع المسؤوليّة عن مصالح اللبنانيّين جميعاً.
بيروت مدينة مفتوحة
غير بعيدٍ عن ذلك، أظهر النداءان الموقّعان من المئات من أبناء مدينتَي النبطيّة وصور أنّ الوعي للمصالح الوطنيّة يأخذ اتجّاهاً غير مريحٍ لـ”الحزب”. تشكّل المدينتان أكبر حاضرتين شيعيّتين في الجنوب، وقد بدا للعيان أنّ سلاح “الحزب” ليس قادراً على حماية الوجود الشيعيّ والوطنيّ فيهما من التهجير والتدمير. ماذا ينفع أن يوقع السلاح بعض الأذى بالإسرائيليّ إذا كان الاحتلال يمحو وجه الحياة في حواضر الجنوب. من الواضح أنّ الوعي الجمعيّ يرى المخاطر الوجوديّة التي يمثّلها الاحتلال، لكنّه لم يعد يرى في السلاح الحزبيّ سبيلاً لردعه، بل إنّ جانباً وازناً منه لم يعد يرى بديلاً عن الدولة إطاراً ضامناً للمصلحة الوطنيّة.
ينسحب ذلك على بيروت الكبرى. حين صدر إنذار الجيش الإسرائيليّ لإخلاء الضاحية، لم يكن سلاح “الحزب” ضمانة لحفظ حياة الناس هناك. هرع الناس إلى الطرقات، وفي ذهن كلّ منهم أن يبتعد ما أمكن عن الأماكن غير الخالية من سلاح “الحزب” أو مقاتليه.
تحتاج بيروت الكبرى إلى الأمان، بشرقيّها وغربيّها وضاحيتها. ليس السلاح في بيروت مصدراً للأمان، ولا هو مشروع تحرير. لم يبقَ من السلاح إلّا وظيفته المعروفة في أوراق القوّة الإيرانيّة في الإقليم.
تستحقّ بيروت الكبرى نداءً مثل نداءي النبطيّة وصور. فلتعلَن المدينة خالية من السلاح ومفتوحة آمنة برعاية الدولة وبالضمانات التي يمكن انتزاعها من الأميركيّين والمجتمع الدوليّ، ما دام “الحزب” مقتنعاً بأنّ هذا هو السبيل الوحيد لتحصيل وقف إطلاق نار.
تستحقّ بيروت الكبرى أن يأمن الناس فيها من خوفٍ، لا أن يظلّوا على أعصابهم في انتظار التحذير التالي من المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ. ولتبقَ مساحة آمنةً وموئلاً للجميع، وخصوصاً لأهل الجنوب، كما كانت على مدى عقود.
إذا كان سلاح “الحزب” موجوداً في الجنوب لمواجهة التقدّم الإسرائيليّ، بحسب سرديّته، فماذا يفعل في بيروت غير جلب الخوف والنزوح المتكرّر والمؤجَّل؟ هل المطلوب استدراج إسرائيل إلى الضاحية لمقاومتها هناك.
فليُسأل أهل الضاحية: هل يشعرون بأمان بوجود سلاح “الحزب” بين شققهم وتحت أبنيتهم؟ فليُسألوا: هل يريدون الأمان أم يفضّلون خيم البيال على بيوتهم؟ فليُسألوا: هل هم مطمئنّون إلى عدم تكرار تجربة اليومين الماضيين؟
لا سبيل إلى تأمين بيروت الكبرى إلّا بإعلانها مدينة خالية من السلاح الحزبيّ، وتسليم مهمّة التفاوض إلى الدولة، بالدور التاريخيّ المعروف والمعهود للرئيس برّي.
يقول “الحزب” عبر أقلامه وألسنته إنّ الدولة لا تمتلك الأوراق لكي تُفاوض. هذا صحيح. لكنّ من الذي يفتئت على حقّ الدولة في الإمساك بالأوراق؟ فليسلّمها ليسلَم وتسلم بيروت الكبرى وما بقي من الجنوب.
اساس ميديا - عبادة اللدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|