الصحافة

"الأخبار" : الدولة لا تعمل إلا بـ"الشحادة"

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

يبدو عنوان تقرير «الاستجابة الوطنية الشاملة للحكومة اللبنانية» أكبر من مضمونه. فعندما ينزح نحو مليون شخص، لا تُقاس كفاءة الدولة بعدد البطانيات والمعلّبات التي وزّعتها، ولا بعدد المنصات الإلكترونية التي أنشأتها، ولا بعدد الاجتماعات التي عقدتها، بل تُقاس بقدرتها على حماية مواطنيها عندما يفقدون بيوتهم، وبتأمين بدائل تحفظ كرامتهم وبامتلاك خطة تجعل الناس يشعرون أن هناك دولة تقف خلفهم لا أمامهم. لكنّ القراءة للتقرير المذكور تكشف واقعاً مختلفاً. فبين سطور التقرير لا نجد رؤية للخروج من الأزمة، بل توصيفاً لها. ولا نجد مشروع حماية اجتماعية أو إسكانية أو اقتصادية، بل سرداً طويلاً واتهامات سياسية وشكاوى يفترض أن يطلقها النازح نفسه لا الدولة التي تقدّم نفسها كل يوم بأنّها المسؤولة عنه.

التقرير الذي وزّعته رئاسة مجلس الوزراء أمس يشير إلى أن نحو مليون شخص اضطروا إلى مغادرة ديارهم، وأن ذروة الإيواء بلغت 141,440 نازحاً داخل 692 مركزاً، فيما بقي حتى نهاية أيار 127,714 نازحاً موزّعين على 631 مركز إيواء. وهذه ليست أرقام أزمة محدودة، بل مؤشرات نزوح جماعي واسع النطاق كان يفترض أن تستدعي خطة وطنية متكاملة، لا مجرد إدارة للمساعدات.

لكن ما يقدّمه التقرير، رغم لغته المؤسساتية، أقرب إلى سجلّ لعمليات الإغاثة: كم وجبة وُزّعت، كم بطانية، كم فرشة، كم ليتر مياه، وكم شحنة مساعدات وصلت. وهي مُعطيات مهمة، لكنها لا تجيب على السؤال الجوهري: أين خطة الإيواء المُستدام؟ وأين الرؤية لما بعد مرحلة الطوارئ؟ ولا سيما أنّ وزراء في الحكومة نفسها تحدّثوا مراراً عن معرفتهم بحتمية عودة الحرب، ما يجعل غياب أي خطة واضحة للتعامل مع تداعياتها أكثر إثارة للتساؤل.

أول خلل بنيوي يظهر في التقرير هو أنّ الحكومة تقيس الاستجابة من زاوية الموارد الوافدة، لا من زاوية الالتزام الوطني. فهي تورد أن النداء الإنساني العاجل احتاج إلى 308.3 ملايين دولار، لم يتأمّن منها سوى 185.9 مليوناً، أي 60.3% فقط، مقارنة بتغطية بلغت 94.9% في عام 2024. كما تشير إلى تراجع التبرعات العينية من 111 شحنة إلى 28 شحنة. بهذا المعنى، يتحوّل التمويل الخارجي من عنصر دعم إلى عمود فقري للاستجابة. هنا تحديداً تظهر الدولة كأنها تعيش على منطق «الشحادة». وهذا أخطر ما في الوثيقة. الدولة لا تبدو كصاحبة ولاية ومسؤولية، بل كمنسّق إغاثي كبير ينتظر ما يأتيه من الخارج، ثم يوزّعه وفق الإمكانات المُتاحة.

الخلل الثاني يتعلّق بمفهوم الإيواء نفسه. التقرير يتحدّث عن 325 موقعاً كانت مُحدّدة مُسبقاً كمراكز إيواء، ثم عن توسّع العدد إلى مئات المراكز. كما يقرّ بأن المرافق العامة، وفي مقدّمها المدارس، تشكّل نحو 54% من مراكز الإيواء. لكنّ تحويل المدارس إلى مراكز إقامة جماعية لا يمكن اعتباره سياسة إسكان. هو إجراء طوارئ يصلح لأيام، وربما لأسابيع، لكنه يتحوّل إلى فشل عندما يصبح الإطار الوحيد لإيواء عشرات آلاف العائلات. المدرسة ليست بيتاً. الصف ليس غرفة نوم. الممر ليس مساحة عائلية.

والحمامات المشتركة لا تحفظ خصوصية النساء والأطفال وكبار السن والمرضى. اللافت أنّ التقرير نفسه يعترف بأن اعتماد المدارس كمراكز إيواء لم يكن من دون أثمان.

فهو يشير بوضوح إلى أن هذا الخيار فرض ضغوطاً كبيرة على القطاع التربوي، وأدّى إلى تعطيل العملية التعليمية والجداول الأكاديمية، والحدّ من قدرة الطلاب والمعلمين على الاستفادة من البنية التحتية التعليمية، كما فاقم الضغوط على منظومة تعليمية كانت تعاني أصلاً من أزمات هيكلية مُزمنة. لكنّ السؤال الذي يتجنّب التقرير الإجابة عليه هو: إذا كانت الحكومة تدرك أن المدارس ليست حلاً مستداماً للإيواء، فلماذا لم تعمل منذ حرب 2024 على إعداد بدائل فعلية؟

الخلل الثالث أن التقرير يفرد مساحة للمنصات الرقمية، لوحات البيانات، آليات التحقّق وتدفّق المعلومات من مراكز الإيواء إلى غرف العمليات. وهذه كلها أدوات ضرورية لأي استجابة حديثة. لكنّ المشكلة أن الأداة لا تتحوّل بحدّ ذاتها إلى سياسة. حيث يمكن للدولة أن تمتلك أفضل لوحة بيانات، وأن تعرف عدد العائلات في كل مركز، أعمارهم، حاجاتهم وأماكن نزوحهم. وهذا ممكن من خلال «مندوبي» وزارة الشؤون في المراكز، الذين يجلسون هناك بانتظار استقبال الجمعيات فقط لا غير، دون أدنى قدرة على تأمين أي حاجة من الحاجات.

وهذا ليس تجنياً، فهذا ما رصدناه في عدد من مراكز الإيواء. فموظف الوزارة يشرح عن صعوبة العيش في مركز معين وكم يعاني بعض الأشخاص إن كانوا من المرضى أو الأطفال أو النساء وعن النقص في الاحتياجات وعن قلة المساعدات. كما أنّه في مدارس أخرى، لا يوجد مندوب حتى للوقوف على الحاجات، بل هناك أفراد يقومون بعمل دولة غير موجودة لديهم سوى في الأوراق الرسمية.

الخلل الرابع يتعلّق بالنازحين خارج مراكز الإيواء. التقرير يركّز بشكل واسع على المقيمين داخل المراكز، لكنه يترك مساحة أقل وضوحاً لمن هم خارجها: العائلات المستأجِرة، المقيمة عند أقارب، المتنقّلة بين المناطق، أو الصامدة في قرى خطرة. وهؤلاء غالباً هم الأكثر عرضة للسقوط من شبكات المساعدة لأنهم غير ظاهرين بالكامل داخل النظام الرسمي.

الخلل الخامس لا يتعلّق بالأرقام أو بالإجراءات فحسب، بل باللغة التي اختارها التقرير لنفسه. فبدلاً من الاكتفاء بعرض الوقائع والمعطيات المرتبطة بالنزوح والاستجابة، يتبنّى التقرير سردية سياسية واضحة حين يتحدّث عن لبنان الذي «تم جرّه إلى الحرب» أو «وجد نفسه منساقاً إلى حرب لا اختارها ولا سعى إليها».

المشكلة هنا ليست في صحة هذا التوصيف أو خطئه، بل في مكانه. فالتقرير يفترض أن يكون وثيقة تقنية وإنسانية هدفها تقييم الاستجابة الحكومية وقياس فعاليتها وتحديد الثغرات التي رافقتها. فبدلاً من التركيز على مسؤوليتها في إدارة تداعيات الحرب، تنتقل الوثيقة إلى نقاش أسباب الحرب نفسها، وكأنّ تفسير الأزمة بات بديلاً عن تقييم كيفية التعامل معها. وفي المحصّلة، يخرج التقرير من دوره الطبيعي كوثيقة استجابة ليقترب من بيان سياسي مطوّل، فيما يبقى السؤال الأهم مُعلّقاً: ماذا فعلت الدولة فعلياً لحماية مواطنيها عندما وقعت الكارثة؟

الخلل السادس أن التقرير يجمّل الواقع الاجتماعي. فهو يستخدم عبارات مثل المجتمعات المضيفة والاستقرار الاجتماعي ورصد التوترات، لكنه لا يواجه البنية الطائفية والمناطقية التي تحكّمت بجزء كبير من التعامل مع النازحين. في الحقيقة، هناك مناطق استقبلت واحتضنت. لكنّ هناك أيضاً مناطق تعاملت مع النازحين كخطر سياسي أو طائفي أو أمني. ظهرت شروط، وحساسيات، وخطابات تحريض، ورفض مُبطن أو مُعلن. التقرير لا يسمّي ذلك. يضعه تحت عنوان ناعم: «توترات مجتمعية». ورغم ذلك، كان هناك خطاب طائفي مُعلن، ربما صحيح تمّ رصده، إلا أنّه لم تتم معالجته من قبل الأجهزة المعنية في الحكومة، ونازحو «البيال» يشهدون على ذلك.

الخلل السابع أن الاستجابة لا تبدو قائمة على مبدأ الحقوق، بل على مبدأ المساعدة. هناك فرق جوهري بين أن يكون النازح وهو الذي يمتلك صفة المواطن صاحب حق، وأن يكون متلقّي مساعدة. في الحالة الأولى، تكون الدولة مُلزمة: بالسكن، الغذاء، الطبابة، التعليم، الحماية والتعويض. في الحالة الثانية، يصبح النازح منتظراً: ينتظر الحصة، الفرشة، البطانية، المازوت والمساعدة النقدية. كما أنّه حتى في نطاق المساعدات، كان هناك تمييز طائفي ومناطقي واضح لا لبس فيه.

الخلل الثامن يظهر عند المقارنة مع العدو الإسرائيلي. فمن دون أي اعتراف سياسي أو أخلاقي به، تكشف المقارنة الفارق في وظيفة البنية الحاكمة تجاه جمهورها. عندما يُخلى المستوطنون من الشمال أو من مناطق الاشتباك، تُفعّل منظومة إجلاء وتمويل وتعويض وإسكان: فنادق، بدلات، تعويضات، صناديق طوارئ وخطط مُعدّة مُسبقاً.

أمّا في لبنان، فيتحوّل المواطن إلى نازح داخل مدرسة، ثم إلى رقم في منصة، ثم إلى حالة تنتظر شحنة مساعدات أو تمويلاً خارجياً. الفارق هنا ليس في الشرعية، بل في القدرة التنظيمية. كيان العدو، بوصفه بنية استعمارية وعدوانية، يحشد الموارد لحماية مستوطنيه. أمّا الدولة اللبنانية، بوصفها دولة يفترض أنها شرعية تجاه مواطنيها، فتكتفي غالباً بتنسيق المساعدات لهم. وهذه مقارنة موجعة لأنها تكشف أنّ المشكلة ليست فقط في فقر لبنان، بل في غياب منطق الدولة.

الخلل التاسع أن التقرير لا يقدّم مؤشرات تقييم حقيقية بقدر ما يقدّم سرداً لما أُنجز. فهو يخبرنا ماذا فعلت الدولة، لكنه لا يخبرنا ما إذا كان ما فعلته كافياً أصلاً. لا نعرف نسبة العائلات التي لم تحصل على مساعدات، ولا عدد الأسر التي بقيت خارج شبكات الدعم، ولا حجم الفجوة بين الاحتياجات الفعلية وما تمّ تأمينه.

لا نعرف عدد المراكز التي لا تستوفي معايير السلامة، أو المراكز التي تفتقر للمرافق الصحية الملائمة، أو عدد الأطفال الذين انقطعوا عن التعليم، أو عدد المرضى المزمنين الذين لم يتمكّنوا من الوصول إلى علاجهم، أو عدد النساء والأطفال الذين يحتاجون إلى خدمات حماية متخصّصة. الأخطر أن التقرير يتوقف عند توصيف ما جرى، من دون أن ينتقل إلى السؤال الذي يفترض أن يشكل جوهر أيّ وثيقة استجابة وطنية: ماذا بعد؟

حجم الكارثة بالأرقام
وثّق تقرير «الاستجابة الوطنية الشاملة للحكومة اللبنانية» أكثر من 19,997 هجوماً وضربة استهدفت الأراضي اللبنانية، وأسفرت عن استشهاد 3412 شخصاً وإصابة 10,269 آخرين. كما أشار إلى تضرر أو تدمير 61,056 مبنى ومنشأة.

55 ألف أسرة اختارت البقاء
أفاد التقرير بأنّ نحو 55 ألف أسرة بقيت في قراها وبلداتها رغم تصاعد الاعتداءات وصدور أوامر الإخلاء في عدد من المناطق. ويعزو التقرير ذلك إلى ارتباط السكان بممتلكاتهم ومصادر رزقهم وشبكاتهم الاجتماعية المحلية، رغم استمرار المخاطر الأمنية وتدهور الأوضاع الإنسانية. إلا أن التقرير لا يوضح كيف ستتم حماية هذه الأسر أو ضمان وصول الخدمات والمساعدات الأساسية إليها في حال استمرار الأعمال العدائية.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا