باراك مبعوثا رئاسياً لسوريا:مصلحة بالاتفاق الأمني مع إسرائيل
عصائب أهل الحق: الميليشيا الّتي أرادت أن تصبح دولة
أعلنت عصائب أهل الحق (AAH) أو رابطة الصالحين، يوم الثلاثاء، تشكيل لجنة داخلية لحصر مقاتليها وأسلحتها وتجهيزاتها، تمهيدًا لنقلها إلى سلطة الدولة العراقية.
وقدّمت الجماعة هذه الخطوة استجابة لدعوات المرجعية الدينية الشيعية العليا وإطار التنسيق، وهو الائتلاف الّذي يضم أبرز الأحزاب والفصائل الشيعية المهيمنة على المشهد السياسيّ في العراق.
وكان إطار التنسيق قد عقد، في اليوم السابق، اجتماعًا بحضور رئيس الوزراء علي الزيدي، ومنحه تفويضًا لاتخاذ الإجراءات اللازمة من أجل “فرض احتكار الدولة للسلاح” و”فصل قوات الحشد الشعبيّ عن الأطر السياسية، والحزبية، والمجتمعية”.
وبحسب مصدر في داخل الإطار، نقلته صحيفة الشرق الأوسط، يهدف هذا الفصل أيضًا إلى تجنّب تفكيك الحشد، أو إعادة هيكلته تحت ضغط خارجيّ، في ظل تصاعد الضغوط الأميركية لإعادة تنظيم المنظومة الميليشياوية برمّتها.
في المقابل، رفضت جماعتان بارزتان، هما كتائب حزب الله وحركة النجباء، أي مسار لنزع السلاح، معتبرتيْن أنّ المسألة مرتبطة بالسيادة العراقية وبوجود القوات الأجنبية.
ويعكس هذا التباين انقسامًا في داخل الفصائل الموالية لإيران، ويبرز في الوقت عينه موقع عصائب أهل الحق وتميّزها النسبيّ في داخل هذا المشهد المعقّد.
قطيعة تأسيسية مع الصدر
تُعتبر عصائب أهل الحق انشقاقًا عن جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر، وقد تشكّلت بين عاميْ 2005 و2006 بدعم من فيلق القدس التابع للحرس الثوريّ الايرانيّ وحزب الله. وكانت القطيعة مع التيار الصدريّ تنظيمية وأيديولوجية في آن؛ فعندما أعلن جيش المهدي وقف إطلاق النار مع الحكومة العراقية والقوات الأميركية عام 2008، واصل قيس الخزعلي، زعيم العصائب، العمليات المسلحة بشكل مستقل، رافضًا الالتزام بقرار الصدر.
تأسست عصائب أهل الحق رسميًّا في تموز 2006، وسرعان ما أصبحت من أبرز الفصائل النشطة في التمرد ضد القوات الأميركية. وحتى انسحاب القوات الأميركية من العراق في كانون الأول 2011، نُسب إلى الجماعة أكثر من 6000 هجوم ضد القوات الأميركية والعراقية، شملت عمليات معقدة، وعمليات خطف استهدفت غربيين.
وتبقى عملية العشرين من كانون الثاني 2007 ضد قاعدة كربلاء الأميركية أبرز عملياتها، حيث اختُطف خمسة جنود أميركيين وقُتلوا. كما احتُجز قيس ولطيف الخزعلي لدى قوات التحالف بين عاميْ 2007 و2010، قبل أن يُفرج عنهما في صفقة تبادل شملت إطلاق رهينة غربي، وإعادة جثث بريطانيين أُعدموا.
ميليشيا “رعوية” في داخل منظومة متشظية
تتميّز أساسًا عصائب أهل الحق عن غيرها من الفصائل الكبرى ضمن قوات الحشد الشعبيّ بطابعها العراقيّ. وقد قدّم كلٌّ من معهد واشنطن Washington Institute والمعهد الملكيّ للشؤون الدولية Chatham House إطارًا تحليليًّا لافتًا، إذ وصفها المعهد الملكيّ بشبكة ميليشيوية “رعوية” ذات مركزية تنظيمية محدودة، لكنّها تستند إلى قاعدة اجتماعية متماسكة، وتضع أولوية واضحة للتموضع في داخل الدولة العراقية، والتأثير في مفاصلها.
في المقابل، تُصنَّف كتائب حزب الله كشبكة “طليعية” ذات مركزية صارمة وارتباط اجتماعيّ أضعف، مع تركيز على محور المقاومة العابر للحدود، والالتزام بأجندة فيلق القدس التابع للحرس الثوريّ الايرانيّ.
ليس هذا التمايز توصيفًا نظريًّا، بل ينعكس مباشرة في سلوك الفصائل. فعصائب أهل الحق تتحرك وفق حسابات عراقية أولًا، قبل أي اصطفاف إقليميّ. ويظهر ذلك في بنيتها التمويلية المزدوجة: فهي تدير الألوية 41 و42 و43 ضمن الحشد الشعبيّ المموَّل من الدولة العراقية، وفي الوقت عينه تتلقى دعمًا جزئيًّا من فيلق القدس. غير أنّ هذه الألوية تعمل بدرجات متفاوتة من الاستقلال عن سلسلة القيادة الحكومية، رغم بقائها قانونيًّا جزءًا من مؤسسات الدولة.
ثلاثة أنماط إزاء نزع السلاح
يقدّم الخبير في الجماعات الشيعية إبراهيم العباد، في حديث مع صحيفة الشرق الأوسط، قراءة تقسّم المشهد الميليشياويّ إلى ثلاث مقاربات رئيسة.
ترى الفئة الأولى أنّ السلاح تحوّل إلى عبء؛ إذ باتت كلفة العقوبات الأميركية، والخسائر السياسية والاقتصادية تفوق مكاسبه. ويندرج ضمن هذه الفئة عصائب أهل الحق، الّتي تعتبر أنّها راكمت مكاسبها عبر القوة المسلحة، وأنّ المرحلة الحالية تتطلب التحول إلى فاعل سياسيّ ومؤسسيّ.
وتتمسك الفئة الثانية بالسلاح كأداة نفوذ وتوازن، تُستخدم للحفاظ على المواقع والمكتسبات من دون الذهاب إلى مواجهة مفتوحة.
أمّا الفئة الثالثة، وفي مقدمها كتائب حزب الله، فتتبنى بوضوح خيار الارتباط بالمشروع الايرانيّ، وترفض أصلًا فتح ملف نزع السلاح.
وكانت عصائب أهل الحق قد بدأت مسارها السياسيّ منذ عام 2014 بدخول البرلمان، قبل أن تحقق 27 مقعدًا في انتخابات 2018. وقد لخّص قيس الخزعلي هذا التحول بقوله إنّ “الشيعة في العراق لا يمكن أن يتصرفوا كما في لبنان لأنهم يشكّلون الأغلبية”، مضيفًا: “نحن دولة”، في تعبير يعكس طموحًا لتجاوز موقع الفصيل المسلح نحو منطق الدولة.
مسار لا يزال قيد التشكل
تأتي خطوة العصائب في سياق إقليميّ وداخليّ أوسع، مرتبط بالموعد المقرر لانسحاب قوات التحالف الدوليّ ضد داعش في أيلول 2026، الذي يُنظر إليه كمنعطف حاسم في ملف الفصائل المسلحة. وكان عمار الحكيم قد أشار إلى أنّ هذا الاستحقاق قد يشكل لحظة انتقال نحو مرحلة سياسية “حاسمة”.
لكنّ هذا المسار لا يزال ضبابيًّا في تفاصيله التنفيذية. فبحسب مراقبين نقلت عنهم الشرق الأوسط، تبقى القرارات الجوهرية بيد قيادات الفصائل، من دون إشراف مؤسسيّ واضح من الدولة. كما تظل أسئلة أساسية مفتوحة حول حجم الترسانات الحقيقي، ومدى جاهزية تسليمها بالكامل إلى السلطة العراقية أو إرادة ذلك.
في المحصلة، يبقى التحدي أمام الحكومة العراقية هو التفريق بين إصلاح بنيويّ يعيد احتكار الدولة للسلاح، وبين إعادة تدوير النفوذ الميليشياويّ في صيغة سياسية جديدة.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|