الصحافة

الهدنة التي لا يلتزم بها أحد…

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

كتب "سعد شعنين " : 

يبدو الاتفاق الأخير بين الولايات المتحدة وإيران وكأنه محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط أكثر منه تسوية نهائية لصراع طويل. فبينما يُقدَّم كاختراق دبلوماسي، فإن جوهره يتمحور حول فكرة وقف إطلاق النار على مختلف الجبهات، من غزة إلى جنوب لبنان، وتجميد الحرب بدل إنهائها، في محاولة لإدارة انفجار إقليمي خرج عن السيطرة.

هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل جاء بعد أشهر من التصعيد الذي بلغ ذروته على الجبهة اللبنانية تحديدًا، حيث تحوّل الجنوب إلى ساحة اشتباك مفتوحة بين إسرائيل وحزب الله ضمن قواعد اشتباك متدحرجة تجاوزت مرحلة الاحتواء إلى مرحلة الاستنزاف المتبادل. ومع اتساع دائرة العمليات، تصاعدت الضغوط الأميركية للدفع نحو تهدئة شاملة لا تشمل غزة وحدها، بل تمتد إلى الحدود اللبنانية – الإسرائيلية باعتبارها إحدى أخطر نقاط التوتر في المنطقة.

لكن المشكلة الأساسية تكمن في أن وقف إطلاق النار ليس للمرة الأولى مطلبًا أميركيًا. فمنذ اندلاع الحروب المتعاقبة في غزة ولبنان، دعت واشنطن مرارًا إلى التهدئة، وضغطت عبر القنوات السياسية والدبلوماسية لوقف العمليات العسكرية. ومع ذلك، أظهرت التجارب السابقة أن إسرائيل لم تكن دائمًا مستعدة لتكييف قراراتها العسكرية مع الرغبات الأميركية. ففي حرب لبنان عام 2006 استمرت العمليات حتى اللحظة التي رأت فيها إسرائيل أن أهدافها العسكرية استُنفدت، وفي حروب غزة المتكررة بقيت الحسابات الميدانية الإسرائيلية تتقدم على أي مسار سياسي أو دبلوماسي، حتى لو كان مدعومًا من الحليف الأميركي نفسه.

هذا الواقع يفسر سبب الشكوك المحيطة بأي اتفاق جديد يتضمن وقفًا لإطلاق النار. فإسرائيل تنظر إلى الأمن القومي من زاوية مختلفة عن واشنطن. وإذا كانت الولايات المتحدة تسعى إلى تجميد الصراع ومنع توسعه، فإن إسرائيل تسعى إلى إزالة مصادر التهديد أو إضعافها إلى الحد الأقصى، ما يجعل التزامها بأي تهدئة مرتبطًا بتقديرها هي للواقع الأمني، لا بالنصوص السياسية أو الضمانات الدبلوماسية.

وفي الحالة اللبنانية تحديدًا، تبدو المشكلة أعمق من مجرد وقف نار أو تفاهم أمني مؤقت. فكل الاتفاقات السابقة، من تفاهم نيسان 1996 إلى القرار 1701 بعد حرب 2006، نجحت في خفض مستوى العنف لفترات معينة، لكنها لم تنهِ أسباب الصراع ولم تعالج جوهر المشكلة المتمثل في غياب إطار سياسي مباشر ينظم العلاقة بين الدولتين. لذلك كانت كل هدنة تتحول مع الوقت إلى استراحة بين حربين، لا إلى خطوة نحو استقرار دائم.

من هنا، قد يكون النقاش الحقيقي الذي تفرضه التحولات الإقليمية الحالية أبعد من مجرد وقف إطلاق النار. فإذا كانت واشنطن وطهران تتفاوضان مباشرة لحماية مصالحهما، وإذا كانت دول المنطقة تعيد رسم علاقاتها وفق مصالحها الوطنية، فإن السؤال الذي سيطرح نفسه عاجلًا أم آجلًا هو: لماذا يبقى لبنان أسير الحروب بالواسطة؟

إن الحل الجذري لا يكمن في اتفاقات تهدئة مؤقتة أو في لجان مراقبة أو في ترتيبات أمنية قابلة للاهتزاز، بل في انتقال الملف اللبناني – الإسرائيلي من منطق إدارة النزاع إلى منطق معالجته سياسيًا. وهذا لا يعني بالضرورة الذهاب إلى تطبيع أو سلام شامل، بل الاستمرار بالمفاوضات المباشرة بين الدولة اللبنانية وإسرائيل برعاية أميركية ودولية، هدفها معالجة الملفات العالقة التي تشكل مصدر التوتر الدائم، من تثبيت الحدود البرية بصورة نهائية، إلى النقاط المتنازع عليها، والضمانات الأمنية المتبادلة، وآليات منع التصعيد.

لقد أثبت اتفاق ترسيم الحدود البحرية أن التفاوض المباشر أو غير المباشر بين الدول، مهما كانت الخصومة عميقة، يمكن أن ينتج حلولًا عملية تحفظ الحقوق وتمنع الانفجار. وإذا كان لبنان قد تمكن من حماية مصالحه البحرية عبر التفاوض بين الدولتين، فإن المنطق نفسه يمكن أن يشكل مدخلًا لمعالجة الملفات البرية والأمنية التي ما زالت مفتوحة.

أما الاستمرار في ربط مستقبل لبنان وجنوبه بالصراعات الإقليمية الكبرى، فسيعني بقاء لبنان رهينة تفاهمات الآخرين وحروب الآخرين في آن واحد. وعندها سيبقى كل اتفاق أميركي – إيراني مجرد هدنة مؤقتة، وكل وقف لإطلاق النار مجرد محطة انتظار قبل الجولة التالية.

فالسلام الحقيقي لا تصنعه الهدن، ولا تفرضه التفاهمات البعيدة، بل تبنيه الدول عندما تقرر التفاوض مباشرة لحماية مصالح شعوبها. وحتى ذلك الحين، سيبقى الجنوب اللبناني يعيش بين اتفاق يجمّد الحرب مؤقتًا، وإسرائيل تحتفظ بحق العودة إليها متى رأت أن الظروف تسمح بذلك.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا