FATF تبقي لبنان في اللائحة الرمادية: القضاء والاقتصاد النقدي في صلب الملاحظات
لم يكن قرار مجموعة العمل المالي الدولية (FATF) إبقاء لبنان في اللائحة الرمادية مفاجئاً، بقدر ما شكل تثبيتا لمسار لم يكتمل بعد. فبعد نحو عام ونصف عام على تعهد لبنان بمعالجة أوجه القصور في منظومة مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، لا تزال الجهات الدولية ترى أن ما أنجز لا يكفي لتبرير إخراج لبنان من دائرة "المراقبة المعززة".
في اجتماعها الأخير، أبقت المجموعة لبنان ضمن الدول الخاضعة لـ"المراقبة المعززة"، في مقابل رفع الجزائر وناميبيا عن اللائحة الرمادية وإضافة العراق والبوسنة والهرسك إليها. هذا التصنيف يعني أن الدولة المعنية تعاني "أوجه قصور استراتيجية" في منظومتها الخاصة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، لكنها التزمت في الوقت عينه خطة عمل لمعالجة هذه الثغَر ضمن مهلة زمنية محددة وتحت رقابة مشددة.
10 بنود يتوجب استكمالها
بحسب الملاحظات التي أعادت المجموعة التذكير بها، لا تزال أمام لبنان 10 بنود أساسية يتعين استكمالها، من بينها تحديث تقييمات المخاطر، وتعزيز آليات المساعدة القانونية المتبادلة وتسليم المطلوبين واسترداد الأصول، ورفع مستوى امتثال المهن والأعمال غير المالية، وتحديث معلومات الملكية المستفيدة في الشركات، وزيادة التحقيقات والملاحقات والأحكام في قضايا تبييض الأموال، إلى جانب تشديد تنفيذ العقوبات المالية المستهدفة ومراقبة المنظمات غير الربحية ذات المخاطر المرتفعة.
تثبت هذه البنود أن المشكلة لم تعد محصورة بالقطاع المصرفي وحده، بل باتت تشمل شبكة أوسع من القطاعات والمؤسسات، من القضاء والسجل التجاري إلى المهن الحرة وتجار الذهب والأحجار الكريمة، وصولا إلى المعابر الحدودية والجمعيات والمنظمات غير الربحية. وبذلك، لم يعد الامتثال مسألة مصرفية تقنية، بقدر ما هو اختبار لفاعلية الدولة نفسها.
وتشير مصادر مالية مطلعة إلى أن "العقدة الأساسية لم تعد في غياب القوانين أو التعاميم، بل في الإثبات أن هذه الإجراءات أنتجت نتائج فعلية، سواء على مستوى التحقيقات أو الملاحقات أو تبادل المعلومات مع الخارج، وهو تحديدا ما تنظر إليه FATF اليوم عند تقييمها وضع لبنان".
وفي هذا السياق، يبرز بند "الأعمال والمهن غير المالية المحددة" كأحد أبرز محاور المتابعة. فالمجموعة لا تحصر المخاطر بالمصارف والمؤسسات المالية، بل تشمل أيضا المحامين وكتاب العدل والمحاسبين وتجار المعادن الثمينة والأحجار الكريمة. لذا شددت على ضرورة تعزيز فهم هذه الفئات لمخاطر عدم الامتثال، وفرض عقوبات فعالة ومتناسبة عند مخالفة التزامات مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.
الجدير ذكره أن من بين الخطوات التي اتخذت محليا في هذا المجال، التعميم الذي أصدرته وزارة العدل ووجهته إلى كتاب العدل، وفرض عليهم إجراءات إضافية تتصل بالتحقق من مصدر الأموال وذكر طريقة الدفع في المعاملات والاستفسار عن وجود وسطاء أو سماسرة والتحقق من هوياتهم. كذلك أصدرت هيئة التحقيق الخاصة تعميما ألزم تجار الذهب والأحجار والمعادن الثمينة اتخاذ إجراءات للتحقق من هوية الزبائن وفهم مصدر الأموال وتحديد المستفيد الحقيقي من العمليات عند الاقتضاء، ورصد العمليات غير الاعتيادية أو المشبوهة والإبلاغ عنها.
القضاء في صلب الملاحظات
الملاحظات الأهم تبقى تلك المتصلة بالقضاء. فالمجموعة تطالب لبنان بإظهار زيادة مستدامة في التحقيقات والملاحقات والأحكام القضائية المتعلقة بجرائم تبييض الأموال، وباستخدام أوسع للمعلومات التي توفرها وحدة الإخبار المالي، فضلا عن تحسين آليات تنفيذ طلبات المساعدة القانونية المتبادلة وتسليم المطلوبين واسترداد الأصول. وتقول المصادر إن "المطلوب من لبنان لم يعد مجرد تحديث الأنظمة، بل الانتقال إلى مرحلة إظهار فاعلية القضاء والأجهزة المختصة. فالمجموعة تريد رؤية ملفات تتحرك، وأحكام تصدر، وآليات تعاون تعمل في الوقت المناسب، لأن النصوص وحدها لا تكفي للخروج من اللائحة الرمادية".
الاقتصاد النقدي
في موازاة ذلك، يشكل الاقتصاد النقدي أحد أكبر التحديات أمام أي تقدم سريع في هذا الملف، بعدما توسع التداول النقدي على نحو غير مسبوق إثر الانهيار المصرفي، ما صعّب عمليات التتبع والرقابة. أما البند الأكثر حساسية، فيتصل بضرورة اعتماد رقابة مستهدفة على المنظمات غير الهادفة إلى الربح ذي المخاطر المرتفعة، وهو ما أعاد إلى الواجهة ملف "القرض الحسن" بعد خطوة وزير العدل عادل نصار إحالته على النيابة العامة التمييزية.
سلوى بعلبكي - "النهار"
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|