حمادة بعد مجزرة النبطية الفوقا: لا حماية للبنان إلا بوحدة أبنائه
نتنياهو تحدث عن المسيحيين والسنّة والدروز وحتى الشيعة في جنوب لبنان... لماذا قال ما قاله؟
"بعض القرى اللبنانية المسيحية طلبت من إسرائيل أن تضمها إليها". انتشرت هذه العبارة من كلام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتيناهو في مقابله لقناة "فوكس نيوز"، إلا أنه تحدث أيضاً عن "حماية السنّة والدروز، وبعض الشيعة". وهو قال حرفياً: "هناك قرى مسيحية في لبنان بعضها طلب بالفعل أن يُضم إلى إسرائيل لأننا نحميها من متطرفي "حزب الله" الذين يريدون قتلهم، ونحن نفعل الشيء نفسه مع المسيحيين في كل مكان. ليس المسيحيون وحدهم في لبنان من يطلبون حمايتنا، بل الدروز والمسلمون، والمسلمون السنّة، وعدد لا بأس به من المسلمين الشيعة أيضاً".
أثار كلام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو موجة ردود فعل واستغراباً عن أسبابه وخصوصاً عند المسيحيين. واذا دخلنا في عملية تفكيك أهداف هذا الطرح، يمكن التلمس بأنه يأتي في سياق سياسي وإعلامي مدروس، خصوصاً أنّ تحقيق الضم الفعلي مستحيل قانونياً ودولياً.
فلماذا أطلق نتنياهو هذا التصريح؟ وكيف يُقرأ التوقيت والهدف منه؟
أدبيات "حماية الأقليات"... والتناقضات
تاريخياً، لطالما طرحت إسرائيل نفسها كـ"حامٍ للأقليات"، ليس فقط في لبنان إنّما في العالم أجمع. تقوم هذه الاستراتيجية على فكرة أن إسرائيل كأقلية يهودية في محيط عربي إسلامي يجب أن تبني تحالفات مع الأقليات العرقية والدينية الأخرى في المنطقة لحماية نفسها وتبرير وجودها.
بعض الأمثلة الحديثة، أكراد العراق في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، في مواجهة الحكومة المركزية في بغداد. دعم الحركات المتمردة في جنوب السودان قبل الانفصال عام 2011. وكان لبنان الساحة الأبرز لتطبيق هذه الاستراتيجية، وتحديداً خلال فترة الحرب الأهلية اللبنانية.
واليوم، يرى مراقبون أنّ نتنياهو يسعى من خلال هذا الطرح إلى تقديم إسرائيل كـ"حامية للأقليات" في الشرق الأوسط.
وهو بطريقة غير مباشرة، يسعى إلى إحياء تجربة سعد حداد وأنطوان لحد عند المسيحيين في السياق السياسي الحالي، عبر الإيحاء بأن البيئة المسيحية في الجنوب ترى في إسرائيل حليفاً حامياً ضد المكونات الأخرى، وخصوصاً "حزب الله"، وهذا مفهوم يطرح علامات استفهام كثيرة، لا بل عدم ثقة، جراء ما حصل مع تجربتي حداد ولحد وصولاً إلى حرب الجبل، ما يستبعد مسألتين، الحماية الإسرائيلية، واستراتيجية الانفصال، من قبل المسيحيين، خصوصاً أن هذه القرى المسيحية لطالما ولا زالت تطالب الدولة بتعزيز وجودها وانتشار الجيش اللبناني أكثر.
في الموازاة، واضح أن التطرق إلى السنّة والدروز و"عدد لا بأس به من الشيعة"، قد يدخل في مصطلح الأقليات في الجنوب، لكن في الوقت نفسه يطرح مفهوم إحياء التناقضات الطائفية والسياسية بقوة، من خلال الإشارة إلى أن الأطياف غير الشيعية وحتى جزء من الشيعة تعارض هيمنة "حزب الله"، فيحقق هدفين:
1- إظهار خطورة "حزب الله" كعامل عدم استقرار يهدد بقية المكونات اللبنانية وعزله بيئياً وسياسياً.
2- إظهار ضعف الدولة اللبنانية عبر الإيحاء بأن هناك أطرافاً ترغب في "الحماية" أو "التعاون" مع إسرائيل.
الالتفاف على اتفاق الإطار؟
يصوّر نتنياهو الوجود الإسرائيلي على أنه "مطلب شعبي لحماية الأقليات"، ما يسهم في تخفيف الضغوط الدولية والمحلية للمطالبة بانسحاب فوري، وإظهار الجيش الإسرائيلي كقوة حفظ استقرار.
ويأتي تصريحه في ظل المفاوضات المستمرة حول ترتيبات الوضع في جنوب لبنان وتطبيق اتفاق الإطار. فيرفع من مناوراته ويطرح طروحات راديكالية مثل "الضم أو الحماية" كأوراق ضغط تفاوضية، وذلك للحصول على مكاسب، مثل فرض حزام أمني خالٍ من السلاح، أو الحصول على حرية حركة للجيش الإسرائيلي في الجنوب.
مخاطبة الداخل الأميركي
ويعتبر المراقبون أن هذا الخطاب موجّه بشكل أساسي للرأي العام الغربي والمحافظين في الولايات المتحدة. فاختيار نتنياهو لشبكة Fox News الأميركية، المحسوبة على اليمين والمحافظين، لطرح هذه الفكرة لم يكن عبثياً.
إذ هدف نتنياهو إلى اللعب على العواطف الدينية، وإلى دغدغة مشاعر المجتمع الغربي، وتحديداً المحافظين والمسيحيين الإنجيليين في الولايات المتحدة. فيقدم إسرائيل دائماً بصفتها "المدافع الوحيد عن المسيحيين والأقليات في الشرق الأوسط" ضد ما يصفه بـ"التطرف الإسلامي" أو "الفاشية الدينية"، لضمان استمرار الدعم الدبلوماسي والعسكري لسياساته.
وعمد كذلك إلى محاولة طرح مفهوم "صناعة المظلومية". إذ إن إظهار القرى المسيحية إضافة إلى أقليات أخرى كالدروز وبعض الشيعة والسنّة، كضحايا محاصرين يطلبون الحماية الإسرائيلية، يمنح نتنياهو امتياز استمرار الدعم العسكري والمالي والغطاء السياسي من واشنطن، ويحوّل الصراع من صراع حدودي- سياسي إلى مهمة إنقاذ أخلاقية ودينية، ما يعطي شرعية أخلاقية وإنسانية لوجود الجيش الإسرائيلي في المنطقة الأمنية التي يسيطر عليها في جنوب لبنان، وتبرير عدم الانسحاب السريع.
نزع مفهوم الدولة
يكرّس كلام نتنياهو السردية الإسرائيلية التي تقول بوجود دولة فاشلة في لبنان عاجزة عن حماية مواطنيها وتخضع لسيطرة "حزب الله". وهي لطالما شككت بقدرة أو بنيّة الجيش اللبناني على قيامه بإجراءات معينة ضد "الحزب"، والكلام الأخير لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس خير دليل، ويقول فيه "إن الجيش اللبناني لن يتحول بليلة وضحاها إلى أسود تهاجم "حزب الله". هو كلام يعبّر بصدق عن نظرة المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية إلى لبنان. وبالنسبة للإسرائيلي، غياب حكومة مركزية في بيروت تمثل كل اللبنانيين وتحميهم، يمنح إسرائيل المبادرة لإجراء "تفاوض مباشر" مع الطوائف أو المجموعات المحلية لتأمين حدودها، وهو بالتأكيد يضرب مفهوم السيادة اللبنانية.
لا شك أن تصريحات نتنياهو هي "بروباغندا سياسية وحرب نفسية"، قوبلت في الوقت نفسه بنفي قاطع وفوري من الفعاليات البلدية والروحية في قرى جنوب لبنان المسيحية، الذي كما ذكرنا، يتمسكون بالهوية اللبنانية وبمؤسسات الدولة الشرعية.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|