30 ألف عائلة خارج "أمان": استنسابية وغياب للمعايير
نحو 30 ألف عائلة أُخرجت أخيراً من برنامج المساعدات النقدية (أمان)، ليستقرّ عدد المستفيدين عند نحو 150 ألف عائلة. إخراج هؤلاء لم يستند إلى معطيات تفيد بتحسّن أوضاعهم المعيشية أو تجاوزهم خط الفقر، بل لعدم كفاية التمويل، بحسب ما تؤكّد مديرة البرنامج ماري غيّة. ولذلك، اتُّخذ القرار باستبعاد الفئات التي صُنّفت على أنها «أقل فقراً»، والإبقاء على العائلات الأشد فقراً والأكثر حاجة.
في الظروف الطبيعية، يُفترض ألّا يثير قرار كهذا عاصفة من الاعتراضات، إذا كان قائماً على تقييم واضح وشفّاف يحدّد الفارق بين الفقراء والأشد فقراً، ويبيّن الأسس التي بُني عليها اختيار من يبقى ضمن البرنامج ومن يخرج منه. إلا أن الواقع اللبناني ليس كذلك. فمنذ إطلاق برامج الحماية الاجتماعية، بدءاً من «برنامج دعم الأسر الأكثر فقراً» وصولاً إلى برنامج المساعدات النقدية «أمان»، لم تنجح الدولة في ترسيخ ثقة المواطنين بآليات الاستهداف، ولطالما وُجّهت انتقادات إلى طريقة إجراء التقييمات «شَلفاً»، في غياب معايير واضحة ومعلنة يُفهم منها لماذا تُصنّف عائلة بأنها مستحقة، فيما تُستبعد أخرى تعيش ظروفاً مشابهة أو أكثر صعوبة.
وفي هذا السياق، أثار التقييم الأخير الذي أجرته وزارة الشؤون الاجتماعية لتحديث قاعدة بيانات المستفيدين، بهدف إخراج العائلات التي لم تعد مستحقة، موجة واسعة من الاعتراضات، ترافقت مع اعتصامات واحتجاجات، بسبب الضبابية التي أحاطت بآليات التقييم، وعدم الإفصاح عن المعايير التي استندت إليها الوزارة، فضلاً عن الاستنسابية في التعاطي مع هذا الملف.
وتبرز في هذا السياق مفارقات يصعب تفسيرها، إذ تُشطب عائلات لا تملك أي مصدر دخل، فيما يتواصل تقديم مساعدات إلى عائلات يعيلها موظفون يتقاضون رواتب ثابتة، وبعضهم يستفيد من أكثر من دخل. وتزداد علامات الاستفهام مع طبيعة المؤشرات التي يُبنى عليها التقييم. فهل يكفي وجود برّاد، أو فرن غاز، أو مروحة، أو غرفة جلوس، للحكم على عائلة بأنها لم تعد فقيرة؟
والأهم من ذلك، يشكو كثيرون ممن شُطبت أسماؤهم من أنهم لم يتلقّوا أي زيارة ميدانية قبل اتخاذ القرار، فيما يقول آخرون إن التقييم اقتصر على اتصال هاتفي، أو إنه لم يُجرَ أصلاً. وهو ما يؤكّده أحد رؤساء البلديات، مستغرباً الآليات المُعتمدة، ويقول إن تجربته الشخصية خير دليل على ذلك. فبحسب روايته، تقدّم بطلب للاستفادة من برنامج «أمان»، وتمّ قبوله من دون أي زيارة ميدانية أو عملية تقييم فعلية. ويضيف: «وصلتني رسالة تفيد بأنني أصبحت مستفيداً من مبلغ 125 دولاراً، وقد قبضته بالفعل وما زلت أحتفظ بإيصال القبض».
رغم هذه الاعتراضات، لم تحرّك وزارة الشؤون الاجتماعية ساكناً. بل إن وزيرة الشؤون الاجتماعية، حنين السيّد، ذهبت إلى اعتبار هذه الاعتراضات أمراً «طبيعياً»، من دون أن تقدّم تفسيراً واضحاً لما جرى، باستثناء ربط شطب نحو 30 ألف عائلة بتراجع التمويل.
وبحسب غيّة، فإن الفجوة التمويلية، التي تُقدّر بنحو 50 مليون دولار، فرضت إعادة النظر في أوضاع العائلات المستفيدة. وأوضحت أن الجزء الأكبر من تمويل البرنامج يأتي من قرض للبنك الدولي بقيمة 200 مليون دولار، فيما يساهم الاتحاد الأوروبي بما بين 40 و45 مليون دولار. وهذا العام، أُدرجت للمرة الأولى مساهمة من الدولة بقيمة 50 مليون دولار، تعمل الوزارة على رفعها إلى نحو 150 مليوناً في موازنة العام المقبل.
إلا أن هذه المساهمة لا تزال، بحسب غيّة، في إطار الوعود، إذ إن الدولة «وافقت على تخصيص هذا المبلغ، لكنه لم يُرصد نهائياً بعد، ولا يمكن التعامل معه بوصفه تمويلاً مضموناً». وأشارت غيّة إلى أن الكلفة السنوية للبرنامج تبلغ نحو 300 مليون دولار، وأن التحدّيات التمويلية التي واجهها خلال العام الحالي أدّت إلى نشوء فجوة حالت دون استمرار جميع العائلات ضمن البرنامج.
لكنها تؤكد أن الفجوة المالية ليست السبب الوحيد وراء خروج آلاف الأسر، موضحة أن البرنامج، الذي دخل عامه الثالث، صُمّم أساساً ليستمر مع كل عائلة لمدة 12 شهراً. إلا أن تمديد الاستفادة، بسبب الظروف الاستثنائية، جعل بعض الأسر تبقى فيه لفترات أطول من المدة المحدّدة، الأمر الذي استوجب إخراج العائلات التي انتهت مدة استفادتها أو لم تعد تستوفي معايير الاستحقاق، لإفساح المجال أمام عائلات أخرى أكثر حاجة.
وهنا تكمن أزمة شبكات الحماية الاجتماعية في لبنان. فعدد الفقراء المستفيدين لا يتحدّد بحجم الفقر، بل بحجم الأموال التي تؤمّنها الجهات المانحة. وكلما تقلّص التمويل، تقلّصت معه لوائح المستفيدين، وكأنّ الفقراء اختفوا فجأة. فالدولة، بدلاً من أن تتعامل مع الحماية الاجتماعية بوصفها مسؤولية وطنية، أوكلتها عملياً إلى المجتمع الدولي، لتصبح حقوق الفقراء مرهونة بالهبات والقروض الخارجية، لا بسياسة اجتماعية مستقرة تموّلها الخزينة العامة. فكلّما اتسعت رقعة الفقر، اتجهت الدولة إلى البنك الدولي أو الاتحاد الأوروبي أو الجهات المانحة بحثاً عن التمويل، حتى باتت المساعدات الاجتماعية تُقاس بحجم التمويل الخارجي المتوافر، لا بحجم الفقر الفعلي.
الاخبار - رجانا حمية
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|