مستوطنون في الجنوب... إلى مَن أرادت إسرائيل توجيه هذه الرسالة؟
لم يكن دخول مجموعات من المستوطنين الإسرائيليين إلى أجزاء من الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحتلها إسرائيل حدثاً عابراً يمكن التعامل معه كواقعة ميدانية محدودة. ففي منطقة تخضع لحسابات أمنية وعسكرية دقيقة، تدرك المؤسسة الإسرائيلية أن لكل خطوة معنى، ولكل صورة تُنشر رسالة تتجاوز حدود المكان والزمان.
والسؤال الذي يفرض نفسه هو: إلى من كانت هذه الرسالة موجهة، إلى اللبنانيين أم إلى المجتمع الدولي، أم إلى الداخل الإسرائيلي نفسه؟
القراءة الأولى توحي بأن إسرائيل أرادت تكريس فكرة أنها صاحبة اليد العليا في المناطق التي لا تزال تسيطر عليها، وأن وجودها هناك ليس وجوداً عسكرياً مؤقتاً فحسب، بل حضوراً قادراً على فرض وقائع ميدانية. فالسماح لمستوطنين بالدخول إلى منطقة متنازع عليها أو محتلة يحمل بعداً رمزياً يتجاوز الزيارة بحد ذاتها، لأنه يرسل إشارة إلى أن الجيش الإسرائيلي يعتقد أن الوضع الأمني يسمح بمثل هذه الخطوة.
أما الرسالة الثانية، فتبدو موجهة إلى الدولة اللبنانية. فتل أبيب قد تكون أرادت القول إن أي حديث عن انسحاب أو إعادة ترتيب للوضع الحدودي لن يتم وفق الإيقاع اللبناني، بل وفق حساباتها الأمنية والسياسية. وفي هذا المعنى، يصبح المشهد رسالة ضغط أكثر منه خطوة ميدانية، هدفها تعزيز موقع إسرائيل التفاوضي في أي نقاش لاحق يتعلق بالحدود أو بالترتيبات الأمنية.
وهناك أيضاً رسالة لا تقل أهمية، موجهة إلى أهالي الجنوب. فبعد أشهر من الحرب والتهجير، تأتي هذه الصور لتؤكد أن معركة تثبيت الوقائع على الأرض لم تنته بعد، وأن الصراع لم يعد يقتصر على العمليات العسكرية، بل يمتد إلى الرمزية والسيادة والقدرة على فرض مشاهد جديدة في منطقة لا تزال موضع نزاع.
في المقابل، لا يمكن إغفال البعد الداخلي الإسرائيلي. فالحكومات الإسرائيلية كثيراً ما تحرص على إظهار أنها تفرض الأمن على الحدود الشمالية، ولا سيما أمام جمهور المستوطنين الذين تأثروا بالحرب. ومن هذا المنظور، قد يكون السماح بدخول مجموعات مدنية جزءاً من رسالة داخلية مفادها أن الجيش الإسرائيلي قد أعاد السيطرة على الوضع، وأن المنطقة باتت أكثر أمناً مما كانت عليه خلال المواجهات.
لكن هل تشكل هذه الخطوة مؤشراً إلى تصعيد أو إلى عمل عسكري جديد؟
الإجابة تقتضي الحذر. فمن الناحية التحليلية، لا يكفي حدث واحد للاستنتاج بأن إسرائيل تستعد لعملية أوسع. فقد تكون الخطوة جزءاً من حرب الرسائل النفسية والسياسية، وقد تكون مرتبطة باعتبارات داخلية أو تفاوضية، من دون أن تعني بالضرورة تغييراً وشيكاً في قواعد الاشتباك. وفي المقابل، فإن أي تكرار لمثل هذه الخطوات، أو اقترانها بإجراءات ميدانية أخرى، قد يستدعي قراءة مختلفة وأكثر تشدداً.
ما يبدو مؤكداً هو أن إسرائيل تحاول، عبر مثل هذه المشاهد، التأثير في البيئة السياسية والنفسية المحيطة بالملف الجنوبي، وأنها تستخدم الصورة بقدر ما تستخدم القوة العسكرية. فالحروب الحديثة لا تُدار بالسلاح وحده، بل أيضاً بالرسائل التي يراد لها أن تترك أثراً في حسابات الخصوم والحلفاء على حد سواء.
ويبقى التحدي أمام الدولة اللبنانية وهي بألا تكتفي بقراءة الرسائل، بل أن تعمل على تثبيت حقوقها عبر الأدوات الدبلوماسية والقانونية والعسكرية المشروعة، وأن تمنع أي محاولة لتحويل إجراءات ميدانية مؤقتة إلى وقائع سياسية دائمة. وقد يصبّ موقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون الأخير عن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية في هذا الاطار.
فالرسائل قد تكون متعددة، لكن الثابت الوحيد هو أن الجنوب لا يزال ساحة اختبار للتوازنات الدقيقة، وأن أي خطوة فيه، مهما بدت محدودة، تحمل من الدلالات السياسية أكثر مما تحمله من الأبعاد الميدانية.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|