الجيش حاضرٌ بين الصّحافيّين…
اشتقنا إلى تدريباتٍ حقيقيّة، وإلى دروسٍ تُثقّف وتُعلّم، وإلى معرفةٍ لا تبقى حبيسة القاعات، بل تُترجم في الميدان. هذا ما قدّمه الجيش اللبنانيّ خلال الدورة التدريبيّة الثامنة في مجال القانون الدولي الانساني للمتخرّجين في الصحافة والإعلام. دورةٌ غنيّة بالمعلومات، أعادت التأكيد أنّ القانون، رغم كلّ التحدّيات، يبقى المرجعيّة والأولويّة.
تعرّفنا خلالها إلى القانون الدولي الإنساني؛ وهو قانونٌ لا يمنع الحروب، كما كنّ نعتقد، بل يهدف إلى الحدّ من آثارها الإنسانيّة، وحماية الأشخاص الذين لا يشاركون في القتال. فعلى سبيل المثال، يفرض حماية المستشفيات وسيّارات الإسعاف والطواقم الطبيّة، ويحظر استهدافها ما دامت لا تُستخدم لأغراضٍ عسكريّة. كما يقوم على مبادئ أساسيّة، أبرزها التمييز بين المدنيّين والمقاتلين، والتناسب في استخدام القوّة، واتّخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيّين.
لكنّ القوانين، مهما كانت واضحة، تبقى عاجزة إذا لم تُحترم. فكم من نزاعٍ شهد استهدافًا لمدنيّين أو منشآتٍ صحيّة رغم الحماية التي يكفلها القانون، ما يؤكّد أنّ المشكلة لا تكمن دائمًا في غياب القواعد، بل في ضعف تنفيذها وغياب آليّاتٍ فعّالة للمساءلة.
ومن أكثر الدروس التي لامستني أنّ الحرب لا تُخاض بالسلاح فقط، بل بالمعلومة والرواية أيضًا. فخبرٌ غير دقيق، أو صورةٌ تُنشر خارج سياقها، قد يُحرّضان على الكراهية أو يضلّلان الرأي العام. لذلك، لا يمكن للصحافي أن يكتفي بما يُقال، بل عليه أن يبحث، ويتحقّق، ويميّز بين الوقائع والدعاية.
كما تناولت الدورة حماية المدنيّين، والبيئة، والأعيان الثقافيّة، إضافةً إلى اتفاقات جنيف واتفاقات لاهاي، اللتين تنظّمان وسائل وأساليب القتال. فعلى سبيل المثال، يُعدّ استهداف موقعٍ أثريّ أو متحفٍ أو دار عبادة تتمتّع بالحماية القانونيّة انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني.
وفي ما يخصّ الصحافيّين، يبقى مؤلمًا أنّهم لا يتمتّعون بحمايةٍ خاصّة.
وتطرّقت الدورة إلى الفرق بين المقاتل والمحارب؛ فالعسكريّ المنتمي إلى القوّات المسلّحة يُصنَّف كمقاتل أثناء النزاعات المسلّحة، ويتمتّع، في حال وقوعه في قبضة العدو، بصفة أسير حرب وفق شروط القانون الدولي الإنساني. أمّا المحارب غير المنتمي إلى القوّات المسلّحة النظاميّة، فلا يُعامل بالضرورة كالمقاتل، وقد لا يتمتّع بصفة أسير حرب ما لم تنطبق عليه الشروط التي يحدّدها القانون.
إضافةً إلى ذلك، تناولت الدورة الأسلحة المحظورة وتلك التي يقيّد القانون استخدامها. فمثلًا، يُقيَّد استخدام الأسلحة الفوسفوريّة نظرًا إلى آثارها، ولا يُحظَر استخدامها بشكلٍ مطلق كما يعتقد البعض، إذ يمكن استخدامها في ظروفٍ محدّدة ضدّ أهدافٍ عسكريّة، مع ضرورة الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيّما لحماية المدنيّين والحدّ من المعاناة خلال النزاعات. ويؤكّد ذلك أنّ للحروب قواعد وحدودًا، وأنّ تجاوزها ليس مجرّد خطأ، بل انتهاكٌ للقانون الدولي الإنساني يترك أثرًا عميقًا على الإنسان والتاريخ.
وفي الختام، شكرٌ كبير للعميد زياد رزق الله، وللمدرّبين: العقيد حسام أبو هدير، والعقيد زياد الجلبوط، والمقدّم سامر ملاعب، والمقدّم علي يونس، والمقدّم مروان ذبيان، والملازم أوّل باميلا حنين، على المحاضرات القيّمة والاهتمام الكبير الذي أولوه للمشاركين طوال الدورة.
فقيادة الجيش اللبنانيّ تبقى ركيزةً أساسيّة في المجتمع، ومؤسّسةً يحظى دورها بالثقة والاحترام، لا في حماية الوطن فقط، بل في نشر المعرفة والوعي وتعزيز ثقافة القانون أيضًا. فحين يمدّ الجيش يده إلى الصحافيّين، فهو لا ينقل إليهم معلوماتٍ فحسب، بل يساهم في بناء جسرٍ من الثقة والتعاون، لأنّ الصحافة الواعية والقانون هما من مقوّمات حماية المجتمع والدولة.
ماريّا طراد - موقع MTV
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|