يعقوب: للعودة إلى الحوار وتحصين الوحدة الوطنية قبل فوات الأوان
عام على "غزوة السويداء": الاستعصاء الشامل يَحكم الجنوب
عشية الذكرى السنوية الأولى لمجازر السويداء، التي ارتكبتها قوات الحكومة الانتقالية السورية مدعومةً بمجموعات من بعض العشائر، تخيّم على المحافظة الجنوبية دوامة قاتلة من المُراوحة والانتظار، تنعكس فقراً وعنفاً ويأساً في أوساط أبنائها. وبينما توسّع إسرائيل نطاق سيطرتها وتأثيرها في مجمل الجنوب السوري وسط صمت السلطة الجديدة (وتنازلاتها)، التي تستمر في التعامل مع الدروز ومجمل الجماعات السورية بعقلية الأكثريات والأقليات نفسها، ويتراجع الاهتمام الدولي والإقليمي بالملفّ السوري، تستعصي حالة السويداء يوماً بعد يوم. ولا تزال الجراح التي خلّفتها مجازر تموز، ومعاناة أهالي المفقودين والأسرى وأصحاب آلاف البيوت المُهدّمة في 33 قرية، فضلاً عن ما يزيد على سبعين ألف مواطن سوري في غرب السويداء وشمالها هُجِّروا من مناطقهم، لا يزال كلُّ ذلك شاهداً على تلك العقلية التي تحظى، للمفارقة، بتغطية دولية وإقليمية، وتتواطأ معها إسرائيل في تكريس شرذمة العقد الاجتماعي للشعب السوري، وتفكيك نسيجه عبر تغذية أسوأ موجة طائفية تعصف بالبلاد منذ عام 1840.
ومن شأن استمرار الانتهاكات الطائفية والمناطقية والهوياتية بحق السوريين من مختلف الطوائف والمذاهب والمناطق، وإحجام سلطة دمشق عن تحمّل مسؤولياتها حيال ذلك، واكتفائها بمتابعات قضائية صُورية لِمَن تدّعي أنهم منفّذو مجازر آذار في الساحل ومجازر أيار وتموز في صحنايا وجرمانا والسويداء، فضلاً عن حصر المحاكمات برموز من النظام السابق، أن يجعل من الصعب جدّاً توقّع مستقبل أفضل لسوريا. كما أن تجاهل القوى الإقليمية والدولية للأزمة، إمّا بفعل الموقف المُسبق المؤيّد لسلطة الشرع، كما هو حال تركيا وقطر والسعودية وبريطانيا والولايات المتحدة، أو بدافع القبول بالأمر الواقع ومحاولة استغلاله مثلما تفعل غالبية دول الاتحاد الأوروبي، أن يعطي دفعاً للسياسات الحالية تحت شعار «بناء سوريا جديدة»، وأن يتيح للسلطة فرصة ارتكاب مزيد من الأخطاء الكفيلة بدفع السويداء أكثر نحو أحضان إسرائيل، ومنح شيخ عقل الموحّدين الدروز في سوريا، حكمت الهجري، مبرّرات إضافية لحرق المراكب ورمي المحافظة عند أقدام المشروع الإسرائيلي.
ومع الانشغال الأميركي بالحرب على إيران، وتركيز إسرائيل عدوانها على لبنان، تبدو السلطات الانتقالية مُسلِّمة ببقاء الطابة في ملعب الاحتلال، وهو ما بات وزير الخارجية، أسعد الشيباني، يلمّح إليه أمام مراجعيه بترديده أن أزمة السويداء متروكة للمفاوضات مع الإسرائيليين. حتى إن مكتب المبعوث الأميركي إلى سوريا والسفير الأميركي في أنقرة، توم برّاك، لم يعُد يخجل من إبلاغ السوريين بأن كلّ الاهتمام منصبّ على الحرب مع إيران، وأن سوريا والسويداء ليستا من ضمن الأولويات الأميركية. وممّا زاد الإهمال الأميركي للملف، تجميد اتفاق عمّان وانتهاء مهمة «تايلور»، أحد أبرز الموظفين المكلّفين بمتابعة الشأن السوري في مكتب برّاك وعودته إلى الخارجية الأميركية في واشنطن، بينما يحتاج بديله الذي التحق قبل أيام بالمكتب، إلى فترة قبل أن يستعيد «الفعالية» التي كان يعمل بها الموظف السابق.
من جهتها، وبدلاً من أن تحاول البحث عن حلول فعلية عبر فكّ الحصار عن المحافظة، وطمأنة سكانها شيئاً فشيئاً، ومحاسبة المسؤولين المباشرين عن المجازر، ووقف التحريض والشحن المذهبي والطائفي، تلجأ السلطة إلى خطوات دعائية من مثل ادّعاء تمثيل شخصيات هامشية كسليمان عبد الباقي أو ليث البلعوص لسكان السويداء، والتعامل معها. وعلى الرغم من أن عدد مناصري البلعوس وعبد الباقي من مواطني السويداء لم يتخطَّ الثمانين مسلحاً الذين واكبوا دخول مسلّحي الشرع والعشائر إلى المحافظة عشية بدء المجازر، فقد أوفدت السلطة عبد الباقي إلى الولايات المتحدة، حيث نظّم له اللوبي السوري جولة على بعض المسؤولين الأميركيين، وغُضّ الطرف عن أنه قبل أن يصبح «ضابطاً»، كان محكوماً بجناية قتل صائغ من الطائفة المسيحية في عام 2009، وخرج بعفو عام من الرئيس السابق بشار الأسد، كما أنه تلقّى الدعم المالي من تنظيم «جبهة النصرة» عام 2021، عندما كان لا يزال التنظيم مُصنَّفاً إرهابياً لدى الإدارة الأميركية، وبعدما توقّف شيخ عقل طائفة الموحّدين الدروز في فلسطين المحتلة، موفق طريف، عن مدّه بالدعم المالي.
أمّا الهجري فيكمل بدوره ما تقوم به سلطة دمشق، مواصلاً رفع سقف التصريحات المؤيّدة لإسرائيل، ومعطياً الدعاية الداعمة للشرع عن «عمالة دروز السويداء لإسرائيل» مبرّرات وذرائع لهدر دم الدروز من قبل الجماعات المتطرّفة، ومُصادِراً بهذه الطريقة أصوات الغالبية الساحقة من أبناء المحافظة. وفي الأصل، فإن واحداً من أبرز مفاعيل مجزرة تموز، تقوية شوكة الهجري على غيره من المشايخ والشخصيات العاقلة، وذلك بعدما تعمّدت سلطة دمشق قصف بيته عشية الهجوم، متجاهلةً موافقته على دخول الأمن العام التابع للسلطة إلى السويداء، ومتذرّعةً بأن «الحرب خدعة» مثلما قال أحمد دالاتي، قائد الهجوم المباشر على المحافظة. إلّا أن الهجري ذهب بعيداً في طروحاته، متبنّياً شعار الانفصال على أمل وعود الدعم والضمّ (إلى إسرائيل) وفتح المعابر التي لم يتحقّق منها شيء حتى الآن، ومتناسياً أن إسرائيل تلتزم بما يخدم مصلحتها، وأن اهتمامها بالدروز محض جغرافي، وهي حتى الآن تفرض غطاءً أمنياً عسكرياً على السويداء خدمة لأجندتها، من دون أن يعني ما تَقدّم استعدادها لتحمّل مسؤولية السكان.
ومع تراجع قدرة المغتربين والمتموّلين من أبناء السويداء على دعم صمود أهاليهم في ظلّ الحصار، وتراجع وتيرة الدعم الدولي، تغرق المحافظة في فقر مُدقع وفوضى أمنية غير مسبوقة، وذلك في ظلّ غياب وحدات الشرطة وأجهزة الأمن، وفتك جماعة «الحرس الوطني» التابعة للهجري بمعارضيه وبشخصيات لطالما كان لها تأثير ووزن بين السكان. ومع هذا، يعاني «الحرس» من أزمة مالية جعلته عاجزاً عن تسديد رواتب عناصره منذ عدّة أشهر، وهو ما دفع بهؤلاء إلى البحث عن مصادر أخرى، من بينها فرض خوّات على البضائع الداخلة من وإلى السويداء - على غرار حواجز الأمن العام المشتركة مع البدو على طول الطريق بين السويداء ودمشق -، خصوصاً منها شحنات البازلت والأتربة التي تخرج من المحافظة. والجدير ذكره، هنا، أن إسرائيل لا تمدّ «الحرس الوطني» بالأموال، بل هي قدّمت بعض السلاح الشرقي له من الأسلحة التي سطت عليها خلال الأعوام الثلاثة الماضية من غزة ولبنان والجنوب السوري.
ويشكّل الموقف الإقليمي والدولي جزءاً أساسياً من المشكلة المستمرة في الجنوب؛ ففي حين يبدو أن ثمّة غطاءً مفتوحاً ناله الشرع لـ«تصفية ملف الأقليات» سعودياً وتركياً وبدرجة أقلّ قطرياً، تَظهر دول الاتحاد الأوروبي عاجزة عن التأثير في المشهد، ولا سيما في ظلّ استمرار تصدّر الحرب الروسية - الأوكرانية سلّم أولوياتها. ومع هذا، وعلى الرغم من محاولات حكومة الشرع التبرّؤ من جريمتَي السويداء والساحل، واستخدام شخصيات علوية ومسيحية ودرزية من مثل مزنة الأطرش التي لا تمثّل إلّا نفسها في السويداء لمحاولة إظهار صورة متنوّعة للحكم في دمشق أمام ممثّلي الاتحاد، فإن الكثير من الأوروبيين يتعاملون مع السلطة على مضض، وذلك تحت ضغط حقيقة عدم وجود بديل حالي للشرع. أمّا إسرائيل، التي كثّفت من نشاطها في قرى جبل الشيخ والجولان المحتلّ، فتسعى إلى اجتذاب الشباب وتجنيدهم في قوات مسلحة محلية تحت إشرافها، مستغِلّةً خوف الأهالي من سلطة دمشق، وهو ما يندرج ضمن المهام التي يتولّى تنفيذها اللواء غسان عليان - التابع للقيادة الشمالية في جيش الاحتلال -، كمنسّق لملف الدروز في داخل سوريا ولبنان.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|