الصحافة

قرّروا الحرب عن الشيعة... والفاتورة دفعها الناس

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

في الوقت الذي تتواصل فيه المواقف السياسية والتجاذبات الإقليمية، تبدو الأزمة الإنسانية التي يعيشها جزء كبير من أبناء الطائفة الشيعية في لبنان وكأنها خرجت من دائرة الاهتمام. فبعد أشهر على الحرب وما خلّفته من دمار واسع في قرى الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، لا يزال آلاف المواطنين يعيشون بين الخيام ومراكز الإيواء أو في منازل مستأجرة استنزفت ما تبقى من مدخراتهم، فيما يغيب أي نقاش جدي حول خطة واضحة لإعادة الإعمار أو آلية تضمن عودة الأهالي إلى بلداتهم واستعادة الحد الأدنى من مقومات الحياة الطبيعية.

المفارقة أن المشهد السياسي والإعلامي لقوى "الممانعة" يكاد ينحصر في السجالات، وحملات التخوين، ورفع سقف الخطابات على الشاشات والمنابر ووسائل التواصل الاجتماعي، بينما تتراجع إلى الهامش معاناة العائلات التي فقدت منازلها ومصادر رزقها. فهناك آلاف الأسر التي لم تعد تعنيها مواقف سياسية أو شعارات تعبئة، بل سقف يؤويها، وفرصة عمل تحفظ كرامتها، وتعويض يخفف جزءًا من الخسائر التي التهمت جنى أعمارها. هذه الفئة لا تجد نفسها ممثلة في الضجيج السياسي للذين نكبوا الشيعة بحروب اسنادهم بقدر ما تبحث عمن يضع ملفها في صدارة الأولويات، بعدما تحولت الحرب بالنسبة إليها من حدث عسكري إلى كارثة اجتماعية واقتصادية مفتوحة.

ولا يقتصر المشهد على فقدان المساكن، بل يمتد إلى انهيار الأمن الاجتماعي لآلاف العائلات. فقد خسر كثيرون مؤسساتهم الصغيرة ومحالهم التجارية وأعمالهم الحرة، فيما استنزف النزوح الطويل ما ادخروه خلال سنوات من العمل. واليوم يجد هؤلاء أنفسهم أمام واقع أكثر قسوة؛ فلا تعويضات دفعت، ولا فرص عمل بديلة، ولا رؤية اقتصادية تعيد تحريك المناطق المنكوبة. ومن استطاع استئجار منزل خارج بيروت أو خارج المناطق المتضررة يعتمد على مدخرات تتآكل شهرًا بعد شهر، فيما تبدو أوضاع من لا يملك أي مورد مالي أكثر مأساوية، إذ يعيش على المساعدات المحدودة أو على مبادرات فردية لا يمكن أن تشكل حلًّا دائمًا.

في المقابل، يثير استمرار الخطاب السياسي المرتبط بالمحاور الإقليمية تساؤلات متزايدة داخل البيئة الشيعية نفسها. فحين يخرج مسؤولون ونواب في "حزب الله" لتكرار مواقف من قبيل "لن نترك إيران وحدها"، يطرح كثيرون سؤالا مختلفًا تمامًا: ماذا بقي لدى المجتمع المنكوب ليقدمه، بعدما دفع أثمانًا بشرية واقتصادية واجتماعية باهظة؟ فالأولوية بالنسبة إلى هؤلاء لم تعد مرتبطة بشعارات الصراع الإقليمي، بل بإعادة بناء البيوت، وتأمين فرص العمل، وإعادة الحياة إلى القرى التي تحوّلت أجزاء واسعة منها إلى مناطق منكوبة تحتاج إلى سنوات من العمل والاستثمارات.

وتتقاطع هذه التساؤلات مع ما يعتبره كثير من المراقبين أهمية القرار الذي اتخذته الدولة اللبنانية، ممثلة برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، بفصل المسار اللبناني عن المواجهات الإقليمية، باعتباره محاولة لحماية لبنان من الانجرار مجددًا إلى حروب لا يملك القدرة على تحمل نتائجها. ومع عودة التوترات والهجمات المتبادلة في الإقليم، يرى هؤلاء أن الحفاظ على القرار السيادي اللبناني والسعي إلى تحييد البلاد عن الصراعات الخارجية باتا يشكلان شرطًا أساسيًّا لوقف مسلسل الخسائر ومنع تكرار المآسي التي دفعت ثمنها المجتمعات المحلية قبل أي جهة أخرى.

وفي خضم هذه الصورة، يبرز ملف أبناء جبل عامل بوصفه أحد أكثر الملفات إلحاحًا. فآلاف العائلات لا تزال تواجه ظروفًا معيشية قاسية، فيما تبدو قدرات الدولة محدودة إلى أقصى الحدود. وتشير الوقائع إلى أن الحكومة اضطرت خلال فترة النزوح إلى اتخاذ إجراءات مالية استثنائية، من بينها وقف دفع الإضافات والمخصصات للموظفين، لتأمين الموارد اللازمة لإغاثة النازحين وتمويل الحد الأدنى من الاستجابة الإنسانية، في ظل محدودية المساعدات الخارجية وعدم تدفق الدعم بالمستوى الذي كان متوقعًا. وبحسب قراءة عدد من المتابعين، فإن هذا الواقع يعكس أيضًا حجم العزلة التي يعيشها لبنان نتيجة تعقيدات علاقاته الخارجية، وهو ما انعكس مباشرة على حجم الدعم الدولي والعربي المخصص لملف الإعمار والإغاثة.

وفي المحصلة، تبدو القضية اليوم أبعد من السجالات السياسية والخطابات التعبوية المفلسة للجهة التي كانت سبب نكبة جبل عامل. فالسؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه يتمثل في كيفية إنقاذ مجتمع أنهكته الحرب، واستعادة كرامة آلاف العائلات التي خسرت منازلها وأعمالها ومستقبلها. فإعادة الإعمار مسؤولية وطنية وإنسانية، وأي مشروع سياسي حزبي يفقد معناه عندما يعجز عن حماية الناس وتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة لهم. وبين الشعارات ومعاناة المواطنين، يبقى رهان أبناء المناطق المنكوبة على الدولة وحدها لأنها وحدها تضع آلامهم في مقدمة الأولويات، وتصون كرامة مواطنيها عندما تحل الكوارث.


داود رمال - نداء الوطن
 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا