الصحافة

فليسقط الملحق الأمني!

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

خيانة ما بعدها خيانة. تواطؤ مع العدو. سقوط أخلاقي مدوّ!

تعابير استُعملت من قبل أبواق الميليشيا لوصف ما سُمّي بالملحق الأمني "السرّي" لصيغة الإطار. واستُعملت حتى قبل أن نطّلع، نحن المواطنين العاديين، على نصّ "الخيانة العظمى". ونظرًا إلى طبيعة المتّهمين وعقيدتهم السياسية، توقّعت أن يكون النص عظيمًا بالفعل، إذ إنّ هؤلاء لا يطلقون مثل هذه الأوصاف إلا على ما هو وطني كامل الأوصاف. ولكونه اتُّهم بأنّه سرّي، اعتقدت أنّنا سنجد فيه ما يُقال سرًّا في كل بيت لبناني: "حزب الله" منظّمة إرهابية يجب نزع سلاحها واعتقال قادتها بالقوة على كامل الأراضي اللبنانية، ابتداء من اليوم.

لكنّ النص خيّب أملنا. إنّه ترجمة للحدّ الأدنى من اتفاق الإطار، الذي أحرز تقدّمًا تاريخيًّا على المستوى السياسي، معلنًا جهارًا أنّ لبنان مستعدّ للمضي قدمًا في اتجاه اتفاقية سلام مع إسرائيل. ولا يوجد عمليًّا ما هو أقلّ ممّا طُرح في الملحق الأمني للاتفاق. فهذا الملحق يفنّد ما هو مطلوب من الجهتين اللبنانية والإسرائيلية، إضافة إلى شرح طبيعة الدور المناط بالوسيط الأميركي.

باختصار، يقول النص إنّ الحكومتين ستتفقان على "مناطق تجريبية" يسيطر عليها الجيش اللبناني، مفكّكًا البنية العسكرية واللوجستية للميليشيات الخارجة عن القانون. وفي المقابل، ينسحب منها الجيش الإسرائيلي. ويشرف الوسيط الأميركي على التحقّق من خلوّ المنطقة من العناصر المسلّحة غير الشرعية، ويُبدأ بإعادة الإعمار في المناطق التي سيطر عليها الجيش اللبناني. والهدف من كل ذلك، بحسب الملحق، تحقيق "سيادة الدولة الكاملة على الأراضي اللبنانية". ما هذه الخيانة؟ وما هذا الانبطاح؟ وما هذا السقوط؟

وفق هذا المنطق الميليشياوي، كان على الحكومة اللبنانية أن توافق على إبقاء هذه المناطق محتلة إسرائيليًّا، وأن تشارك سياسيًّا ومعنويًّا في دعم "المقاومة"، مساهمة بذلك، بشكل عملي ومباشر، في ارتفاع نسبة الأراضي المحتلة من 6٪ إلى، أقله، ما يفوق 10٪. وأن تطلب استبدال الوسيط الأميركي بوسيط "شرقي"، ربما روسيا أو الصين، محقّقة أهداف اليمين الإسرائيلي بجعل الرئيس ترامب يوافق على إطلاق يد الجيش الإسرائيلي بالكامل، في استعادة جهادية لسيناريو غزّة.

لا حاجة أصلا إلى التدقيق في نزع السلاح، إذ تكفينا تطمينات الشيخ نعيم التي أثبتت مصداقيتها في مرحلة ما بين الحربين. أمّا المعادلة الأخلاقية - الوطنية فبسيطة: احتلال وسلاح ميليشيات أفضل بألف مرّة من أرض محرّرة لا سلاح ميليشيات فيها.

إن كان هناك من تواطؤ أو سقوط، فهو كون الملحق الأمني يأخذ في الاعتبار وجهة نظر "حزب الله"، ويتهيّب التهديد الدائم بـ"الحرب الأهلية"، ويراعي مقتضيات "السلم الأهلي"، ويتصرّف على أساس أنّ الإشكالية العسكرية المباشرة بين "الحزب" وإسرائيل هي الأساس. وفي هذا منطق ينقصه شيء من الوطنية اللبنانية الصرفة، إذ إنّ أي نصّ وطني لبناني حقيقي لا يراعي مناطق "تجريبية" ضيّقة (حرفيًّا، قرية!) في جنوب الليطاني أو على حدود هذا الجنوب، بل يذهب مباشرة إلى نزع سلاح الميليشيات على كامل الأرض اللبنانية، ابتداء من منطقة لا تماسّ مباشرا بينها وبين إسرائيل، كالبقاع الغربي مثلا.

في المنطق اللبناني الحقيقي، لا تكون المسألة بحاجة إلى ضامن أميركي، لأنّ السلطة السياسية اللبنانية، ومعها القيادة العسكرية التابعة لها، تكون معادية بما يكفي للميليشيات، بحيث تكون هي الضامن الموثوق لخلوّ منطقة ما من السلاح غير الشرعي.

يبدو نصّ الملحق الأمني خجولا ومحافظًا. فهو يعتمد مقاربة ضيّقة ومتدرّجة. ومع أنّ النص يذكر، في فقرة "الهدف المنشود"، نزع سلاح الميليشيات على كامل الأراضي اللبنانية، فإنّ روحيته العامة توحي كأنّ خلوّ منطقة النزاع الجنوبي من السلاح وتوابعه كاف لحلّ المشكلة. ألم يكن جنوب الليطاني كلّه "منطقة تجريبية" في مرحلة ما بين حربَي الإسناد؟ ألم يعلن الجيش اللبناني إمساكه العملاني بها؟ ألم يُقَل إنّ 90٪ من السلاح فيها قد تمّت مصادرته؟

إنّها حكاية العقدين الأخيرين من تاريخ لبنان: رضي القتيل، ولم يرضَ القاتل. ليس واضحًا حتى اليوم مَن أراد أن يكون هذا الملحق "سريًّا"، إذ لا يوجد حرف فيه يستدعي شيئًا من السرّية، إلا إذا اعتبر الجانب اللبناني أنّه لا يلبّي طموحات الأغلبية العظمى من اللبنانيين الذين لا يريدون "مناطق تجريبية"، بل قيادة عسكرية تعلن المواجهة الشاملة مع سلاح "حزب الله" في كل شبر من الأراضي اللبنانية. لكنّ ذلك ليس جزءًا من النص السرّي - العلني.

فعلا، فليسقط الملحق الأمني!

نداء الوطن - صالح المشنوق

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا