ديما صادق والقليعات… كيف تحوّل الترخيص إلى “عطية”؟
نشرت صحيفة “الأخبار” مقالاً اعتبرت فيه أن مجلس الوزراء فتح مطار القليعات أمام شركة مرتبطة بأصدقاء رئيس الحكومة نواف سلام. وركّزت على مساهمة الإعلامية ديما صادق وزوجها في شركة “IBEX Air Charter”، وطرحت أسئلة عن غياب المناقصة ورأي هيئة الشراء العام وصيغة التلزيم، قبل أن تصف القرار بأنه عطية سياسية.
لكن مضمون القرار والمعطيات لا يدعمان هذه الرواية.
فمجلس الوزراء لم يمنح “آيبكس” حق إدارة مطار الشهيد الرئيس رينيه معوض أو تشغيله، ولم يشترِ منها خدمة، ولم يخصص لها أموالاً عامة. القرار اقتصر على الترخيص لها بتسيير رحلات جوية دولية منتظمة بين مطار القليعات والخارج وبالعكس.
والترخيص التنظيمي يختلف عن عقد التلزيم. لذلك لا يبدو السؤال عن عقد رضائي أو عروض أسعار أو شراء خدمات بالفاتورة منسجماً مع طبيعة القرار، ما دام لا يتضمن عقداً تدفع الدولة بموجبه أموالاً للشركة، أو تمنحها حقاً حصرياً باستثمار المطار.
كما أن تشغيل الرحلات الجوية الدولية المنتظمة يحتاج أساساً إلى موافقة الجهات المختصة، ويظل مرتبطاً باستيفاء الشروط الفنية والتشغيلية والأمنية التي تفرضها سلطات الطيران المدني.
والمفارقة أن مقال “الأخبار” أورد أن الشركة تعمل في النقل الجوي منذ نحو عشرين عاماً، وتحمل شهادة مستثمر جوي “AOC” صادرة عن المديرية العامة للطيران المدني، وتخضع للتدقيق الدوري في شروط السلامة والمتطلبات الفنية والقانونية.
وبالتالي، لم تدخل الشركة قطاع الطيران نتيجة القرار الأخير، بل كانت مرخصة للرحلات العارضة، فيما سمح لها القرار الجديد بتسيير رحلات منتظمة من مطار محدد بعد استكمال المتطلبات اللازمة.
وقد يُقال إن جوهر القضية لا يتعلق بالتلزيم، بل بمنح أول ترخيص لشركة مرتبطة بشخصية إعلامية قريبة سياسياً من رئيس الحكومة. وقد تطرح أسئلة عن كيفية فتح الباب أمام الشركات، وعدد المتقدمين، والمعايير التي استُخدمت، وسبب تقدم “آيبكس” في هذا المسار.
إلا أن المعلومات تشير إلى أن القرار لم يصدر نتيجة مفاضلة بين مجموعة شركات اختارت الحكومة واحدة منها، ولم يكن هناك عقد واحد مطروح للتنافس حتى يُمنح لفائز ويُحجب عن الآخرين.
فالترخيص غير حصري، وحق التقدم بطلب مماثل لا يزال متاحاً أمام أي شركة وطنية تستوفي شروط التشغيل. ولم يؤد صدور القرار إلى إغلاق الباب أمام طلبات أخرى أو إلى منح “آيبكس” حقاً يمنع منافسيها من العمل انطلاقاً من القليعات.
ومن هنا، لا يمكن التعامل مع الشركة باعتبارها “الفائزة” بمشروع كان يتنافس عليه عدد من المتقدمين، لأن طبيعة المسار تسمح بمنح أكثر من ترخيص، ولا تفرض اختيار شركة واحدة على حساب غيرها.
كما تفيد المعلومات بأن محدودية عدد الشركات المهتمة في المرحلة الحالية لا تعود إلى استبعاد منافسين أو رفض طلباتهم، بل إلى حجم المخاطرة التجارية المرتبط بالدخول إلى مطار لم يبدأ بعد تشغيله المنتظم، ولا يملك سجلاً سابقاً لحركة المسافرين أو نسب إشغال الرحلات.
فمطار القليعات لا يمتلك بعد أرقاماً فعلية يمكن للشركات الاعتماد عليها لتقدير حجم الطلب والوجهات المجدية والعائد المتوقع. وأي شركة تبدأ العمل منه ستتحمل كلفة تشغيل الرحلات والطواقم والصيانة والتسويق، من دون ضمان أن تحقق الحركة المطلوبة لتغطية النفقات أو تسجيل الأرباح.
وهذا لا ينفي نظرياً إمكان حصول محاباة في أي قرار إداري، لكنه يعني أن وصف الترخيص بأنه عطية مالية أو امتياز مضمون العائد يحتاج إلى دليل إضافي لا يوفره مقال “الأخبار”.
فالمحاباة لا تثبت بمجرد معرفة هوية المساهمين. بل تحتاج إلى إثبات تدخل سياسي، أو رفض طلب مستوفٍ للشروط، أو منح إعفاءات استثنائية، أو وضع معايير مفصلة على قياس شركة بعينها، أو إغلاق باب التقدم أمام منافسين.
ولم يقدم المقال دليلاً على أن نواف سلام تدخل لمنح الترخيص، أو أن شركة أخرى تقدمت بطلب مماثل فجرى رفضه، أو أن “آيبكس” أُعفيت من شرط فني أو تشغيلي، أو أنها حصلت على حقوق لا يمكن لغيرها الحصول عليها.
أما الإشارة إلى مساهمة ديما صادق وزوجها في الشركة، فهي معلومة تتصل بالملكية ويحق للإعلام نشرها. لكنها لا تكفي وحدها للانتقال إلى استنتاج بأن القرار جاء نتيجة علاقة سياسية.
فبين الإفصاح عن هوية المساهمين وإثبات المحاباة مسافة يجب أن تملأها الوقائع، لا الإيحاءات.
وتبقى هناك أسئلة مشروعة ينبغي متابعتها بشأن جاهزية مطار القليعات، وبنيته التحتية، ومعايير السلامة، وخطة التشغيل، وقدرة الشركات على تأمين الطائرات والطواقم، وحجم الحركة المتوقعة.
لكن مساءلة مشروع القليعات يجب أن تنطلق من هذه العناصر، لا من توصيف ترخيص غير حصري بأنه تلزيم، ولا من اعتبار فرصة عالية المخاطر عطية سياسية مكتملة الأركان.
فالقرار المتاح لا يُظهر منح المطار إلى “آيبكس”، ولا يمنحها إدارته أو احتكاره. كما أن المعلومات لا تشير إلى منافسة أُقصيت منها شركات لمصلحتها.
ما حصل هو منح شركة موجودة في قطاع الطيران منذ سنوات ترخيصاً مشروطاً لتسيير رحلات منتظمة من مطار لا تزال جدواه التجارية غير مختبرة، مع بقاء الباب مفتوحاً أمام شركات أخرى.
وبين الترخيص والتلزيم فرق واضح، وبين حق غير حصري وامتياز محتكر فرق أكبر. أما تحويل اسم ديما صادق إلى دليل قائم بذاته على وجود صفقة سياسية، فهو استنتاج لم يقدم المقال ما يكفي لإثباته.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|