الصحافة

وزارة الذكاء الاصطناعي... غباء إداري وصلاحيات بلا حدود

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

يعقد مجلس النواب اليوم وغداً جلستين تشريعيتين، على جدول أعمالهما مشروع قانون إنشاء وزارة أصيلة للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، مقدّم من وزير الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كمال شحادة.

إقرار المشروع سيُحدِث تغييراً جوهرياً في توزيع الصلاحيات بين الوزارات، إذ سينزع من وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية أحد أبرز ملفاتها، وهو التحوّل الرقمي والأمن السيبراني. إلا أن حاجة لبنان الملحّة إلى الرقمنة، وهو من أكثر الدول تأخّراً في هذا المجال، لا تبرّر إنشاء وزارة جديدة قبل حسم سؤال أساسي: أي نموذج للحوكمة الرقمية يريد لبنان اعتماده؟ وما هي البنية المؤسسية التي يحتاج إليها فعلاً، ولا سيما أن هذا الملف يُعدّ من أكثر الملفات ارتباطاً بالسيادة الرقمية والأمن القومي؟

وكعادتها، تنشغل السلطة بتقديم «إنجاز» شكلي لتسويقه سياسياً، فيما يبقى المضمون غائباً. فأسهل ما يمكن فعله هو استحداث وزارة، أو إنشاء هيئة ناظمة، أو تشكيل لجنة أو مجلس، من دون رؤية متكاملة أو حاجة فعلية. وهذا «التخبيص» ليس سوى نتيجة طبيعية لنظام يفرّخ وزارات ومواقع لإرضاء توازنات الطوائف والأحزاب داخل مجلس الوزراء، لا لتلبية حاجات الدولة أو خدمة المصلحة العامة.

ولأن اهتمام «القوات اللبنانية» بملف التحوّل الرقمي معروف، كان متوقّعاً أن يسعى الحزب، عبر وزيره، إلى نقل هذا الملف الحيوي من وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية إلى الوزارة الوليدة، من خلال التذاكي وخلط متعمّد بين المفاهيم، كما يظهر في مشروع القانون المطروح. فالبيان الوزاري حصر مهمة وزارة الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بتشجيع الابتكار، ودعم الشركات الناشئة، واستقطاب الاستثمارات التكنولوجية. غير أن مشروع شحادة يتجاوز هذا الإطار بكثير، إذ لا يكتفي بإنشاء وزارة متخصّصة في هذه الملفات، بل يمنحها أيضاً مديرية للأمن السيبراني وحماية البيانات، وتنفيذ السياسات الوطنية للأمن السيبراني، وتأمين حماية البيانات.

ويجمع المشروع تحت سقف الوزارة ملفات التحوّل الرقمي، والحوكمة الذكية، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، فضلاً عن الابتكار، والتدريب، والاستثمار، والشراكة مع القطاع الخاص. وهو ما يجعل المشروع أقرب إلى تجميع عشوائي للملفات والصلاحيات منه إلى بناء هيكل مؤسسي متماسك. فالوزارة الجديدة لن تضيف قيمة فعلية إلى مشروع التحوّل الرقمي، بقدر ما ستضع يدها على ملفات وهياكل قائمة أصلاً، وهو ما يبدو الهدف الحقيقي من مشروع القانون، علماً أن لبنان لم يبدأ من الصفر في هذا المجال، إذ أقرّ خلال السنوات الماضية استراتيجيتين وطنيتين، واحدة للتحوّل الرقمي وأخرى للأمن السيبراني، حدّدتا بوضوح الجهات المعنية بكل ملف، وفي مقدّمها وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية، إلى جانب أدوار موزّعة على وزارة الاتصالات وسائر الوزارات والإدارات العامة.

شمولية في الصلاحيات وغياب الرؤية

وفيما يُفترض أن تتجه الدولة إلى توحيد الرؤية والعمل ضمن منصة وطنية موحّدة للتحوّل الرقمي، تتيح للمواطنين الوصول إلى الخدمات العامة عبر بوابة واحدة، يكرّس المشروع نهجاً لبنانياً مألوفاً يقوم على تفريخ الوزارات والقوانين المتشابكة، من دون مراجعة الإطار القانوني والتنظيمي القائم. وبدلاً من توحيد الجهود، يفتح الباب أمام مزيد من التداخل في الصلاحيات، بما يهدّد بإرباك التنسيق بين الوزارات والإدارات المعنية.

فالمشروع يتجاهل، على سبيل المثال، الدور الموكول إلى وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية في الاستراتيجية الوطنية للتحوّل الرقمي (2020-2030)، التي أقرّتها حكومة الرئيس نجيب ميقاتي عام 2022، والاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني الصادرة عام 2019، والتي تنص بوضوح على إنشاء هيئة وطنية مستقلة تُعنى بالأمن السيبراني. فكيف يمكن القفز فوق هذا التوجّه الاستراتيجي وتحويل الأمن السيبراني إلى مجرد مديرية داخل وزارة حديثة الولادة، كما يقترح مشروع شحادة؟ ولماذا يجري التخلي عن الدور التنسيقي الذي تؤدّيه وزارة التنمية الإدارية، بوصفها وزارة دولة تجمع بين مختلف الإدارات والمؤسسات بهدف توحيد السياسات والجهود في هذا المجال؟

كذلك، يتعارض المشروع مع مرسوم الأسناد الرسمية الإلكترونية، الذي يمنح كل وزارة صلاحية تنظيم تعاملاتها الإلكترونية الداخلية، ووضع آلياتها التطبيقية، وتأمين بنيتها التحتية، إذ يغيب عن المشروع أي تصور واضح لآلية التنسيق مع الجهات المختصة في إدارة شبكات الاتصالات، وأمن البنى التحتية الرقمية، والطيف التردّدي، وحوكمة البيانات والمعلومات. كما لا يرسم حدوداً دقيقة بين صلاحيات الوزارة المُقترحة وصلاحيات وزارات وهيئات قائمة، وفي مقدّمتها وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية، ووزارة الاتصالات، والهيئة الناظمة للاتصالات، وهيئة المعلوماتية، ما ينذر بفتح الباب أمام نزاعات مؤسساتية وتشابك في الاختصاصات قد ينعكس سلباً على أداء الإدارة العامة.

كما أن الشمولية الفضفاضة في المهام والصلاحيات الممنوحة للوزارة الجديدة لا تعكس رؤية مؤسساتية متكاملة، بل تفرّخ نصوصاً قانونية تتضارب مع القوانين النافذة. ويزداد هذا الخلل وضوحاً في غياب أي آليات لقياس الأداء أو تقييم النتائج، وعدم وجود وحدات رقابة داخلية، أو مؤشرات تقيس الأثر الفعلي للسياسات المُقترحة. وبذلك، يبدو المشروع أقرب إلى استحداث هيكل إداري جديد يحمل عنواناً عصرياً، من دون أن يقدّم تصوراً جدياً لكيفية توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في خدمة مسار التحوّل الرقمي الوطني.

وإضافة إلى ذلك، يصطدم المشروع بصلاحيات المجلس اللبناني للاعتماد (COLIBAC)، كما يتعارض مع عدد من المراسيم التنظيمية التي تحدّد اختصاصات مراكز المعلوماتية في وزارات العدل والمالية والتنمية الإدارية والاتصالات. أمّا في ما يتعلق بحماية البيانات، فإنها تخضع اليوم لاختصاصات قانونية وتشغيلية موزّعة بين أكثر من جهة، من بينها أوجيرو، وهيئة حماية البيانات الشخصية المنصوص عليها في قانون المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي (القانون الرقم 81/2018). وتجاهل هذا التشابك القانوني والمؤسساتي يثير تساؤلات جدّية حول الغاية الحقيقية من المشروع، ما لم يكن المقصود تجاوز البنية القانونية القائمة لمصلحة وزارة جديدة تُمنح صلاحيات مُطلقة.

ندى أيوب -الاخبار

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا