الصحافة

فرقاطة تركية في اللاذقية تعيد رسم توازنات شرق المتوسط

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

مثّلت زيارة قائد القوات البحرية التركية الأدميرال أرجومنت تاتلي أوغلو لميناء اللاذقية العسكري، الاثنين، على متن الفرقاطة "تي سي جي إسطنبول"، أرفع حضور بحري تركي في سوريا

منذ سقوط نظام بشار الأسد. وكشفت أن النفوذ الذي بنته أنقرة داخل الجيش ومؤسسات الدولة السورية تجاوز الداخل إلى الساحل، ليضع سوريا في قلب التنافس على ممرات شرق البحر المتوسط وموارده وترتيباته الأمنية.

وجاءت الزيارة بعد خمسة أيام من قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة ولقاء الرئيس السوري أحمد الشرع نظيره الأميركي دونالد ترامب، وبعد زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دمشق، لتوسع أنقرة حضورها البحري وسط انفتاح غربي متسارع على السلطة السورية.

ترامب يوسع هامش أنقرة
تتحرك تركيا ضمن هامش أميركي اتسع مع عودة ترامب الذي وصفها بأنها "حليف رائع"، وتعامل معها بوصفها القوة الأقدر على إدارة الملف السوري وإعادة بناء الدولة والجيش السوري. وكان قد قال بعد سقوط النظام إن تركيا "ستملك مفتاح" سوريا.

لكن سوريا لم تتحول إلى مجال تركي مغلق. فقد حملت زيارة ماكرون عودة فرنسية تتجاوز الديبلوماسية إلى الموانئ والطاقة والممرات اللوجستية. وتدير شركة "سي إم إيه سي جي إم" محطة حاويات اللاذقية بعقد يمتد 30 عاماً واستثمار قدره 230 مليون يورو، مع التزامها بضخ 200 مليون يورو إضافية وتوسعها إلى الموانئ الجافة والشحن الجوي.

وجاءت الزيارة للميناء العسكري بعد أيام، كاشفة عن مشروعين يلتقيان عند الحاجة إلى إعادة تشغيل سوريا، ويتنافسان على الإمساك ببواباتها الاستراتيجية. فرنسا تدخل عبر التجارة والنقل، فيما تتمدد تركيا عبر الجيش والبحرية. وقد يلتقي الطرفان في دعم إعادة الإعمار قبل أن يتنافسا على الموانئ والطاقة ودور سوريا في شرق المتوسط.

الساحل يدخل معادلات "الوطن الأزرق"
بدأت أنقرة بعد سقوط النظام بجس نبض المعادلات التي تحكم إدخال الساحل السوري في مشروعها البحري. فقد أعلن وزير النقل التركي عبد القادر أورال أوغلو، بعد 16 يوماً فقط، نية التفاوض مع دمشق على ترسيم الحدود البحرية وربط الاتفاق باستكشاف النفط والغاز. وأثار الإعلان اعتراضات قبرصية ويونانية قبل أن تتراجع أنقرة عنه علناً، فيما واصلت بناء شروط الترسيم عبر التعاون الدفاعي وإعادة هيكلة الجيش والزيارات البحرية وصولاً إلى تفقد الميناء العسكري.

وتستكمل سوريا ما بدأته تركيا في ليبيا وشمال قبرص. فمنح الاتفاق البحري مع ليبيا أنقرة ذراعاً إلى وسط المتوسط، ووفر لها الشطر الشمالي من قبرص حضوراً عسكرياً في قلبه، بينما يستطيع الساحل السوري منحها موقعاً على ضفته الشرقية، مقابل قبرص وقرب حقول الغاز والممرات التي بنت إسرائيل واليونان وقبرص وفرنسا حولها شراكات أمنية واقتصادية.

وتزداد أهمية الساحل السوري مع البحث عن بدائل لـمضيق هرمز. فقد دعمت واشنطن إحياء خط كركوك–بانياس لنقل النفط العراقي إلى المتوسط، بالتوازي مع مشاريع تربط الخليج بـأوروبا عبر سوريا أو تركيا. وتتقاطع هذه المسارات مع أنقرة حين تمر بأراضيها، وتنافسها حين تمنح بانياس طريقاً مستقلاً عن جيهان، ما يجعل النفوذ في الساحل أداة للتأثير في ممرات الطاقة.

إسرائيل تراقب التحول البحري
تحوّل التنافس التركي - الإسرائيلي بعد سقوط النظام إلى مواجهة على رسم مجالات النفوذ. تريد أنقرة دولة سورية مركزية يعاد بناء جيشها تحت إشرافها، فيما تريد إسرائيل سوريا محدودة القدرة، وجنوباً منزوع السلاح، وحرية دائمة للعمل داخل أراضيها. وقصفت تل أبيب مطارات عاينتها فرق تركية، وحددت خطوطاً حمراء أمام القواعد والتسليح، فيما واصلت أنقرة تثبيت حضورها عبر الرادار وإعادة هيكلة الجيش وتوسيع وجودها البحري.

ويحاول ترامب توزيع الأدوار بين حلفائه. تركيا تدير بناء الدولة السورية، ودمشق تساعد في إبعاد إيران والتعامل مع "حزب الله"، وإسرائيل تحتفظ بتفوقها لكنها تنسحب من الأراضي السورية واللبنانية وتخفف اعتمادها على الحرب المفتوحة. وفي هذا السياق، اقترح أن تترك إسرائيل لسوريا التعامل مع الحزب، ثم طلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بدء سحب قواته من سوريا ولبنان، وفق تقارير أميركية وإسرائيلية.

لكن هذه الهندسة تصطدم بتعارض عميق. فإسرائيل ترى في الجيش السوري الذي تعيد تركيا بناءه تهديداً، وفي رادار دمشق قيداً على عملياتها، وترى في وصول الفرقاطة التركية كسراً للخطوط التي فرضتها بالقصف. ويكشف وصف نفتالي بينيت تركيا بأنها "إيران الجديدة" أن تل أبيب تخشى انتقال سوريا من النفوذ الإيراني المتراجع إلى بنية عسكرية تركية تحظى بقبول أميركي ويصعب مهاجمتها. وتواجه ذلك بتعميق شراكتها مع اليونان وقبرص في أمن الطاقة والمناورات البحرية.

دمشق بين المظلة التركية والانفتاح الغربي
باستقبال الرادار التركي في مطار دمشق الدولي وقائد البحرية التركية في اللاذقية، أعطت السلطة السورية مؤشرين إلى أن إعادة بناء مؤسساتها العسكرية ستجري داخل المظلة التركية. ويتجاوز أثر الخطوتين حاجات الملاحة والتدريب، إذ أصبحت أنقرة حاضرة في مراقبة الأجواء وإعادة تشكيل القوة البحرية، وهما مجالان يتصلان مباشرة بصراعها مع إسرائيل ومشروعها في شرق المتوسط.

ويبدو هذا الخيار الأكثر فائدة لدمشق. فالتحالف التركي - القطري يمثل السند الأقوى للسلطة الجديدة، وتركيا تملك التدريب والتسليح والقدرة على فتح الأبواب في واشنطن. ولا تنخرط دمشق رسمياً في جميع نزاعات أنقرة، لكنها تتحرك عملياً ضمن المشروع التركي.

في المقابل، فتحت السلطة اقتصاد الساحل لشبكة أوسع: شركة فرنسية في اللاذقية، وشركة إماراتية في طرطوس، وشركات أميركية وقطرية وفرنسية في الطاقة، ومشاريع لأنابيب النفط والممرات البديلة لهرمز، مع بقاء روسيا في قاعدة حميميم والغموض حيال مستقبل حضورها في طرطوس. وتحدثت "رويترز" عن مشروع لوجستي روسي في القاعدة البحرية، فيما نفت دمشق وجوده.

هكذا يتحول الساحل السوري إلى وعد بالموانئ والطاقة وممرات العبور، لكنه يحمل أيضاً مخاطر تحوله إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. وقد تجني سوريا عوائد تنافس القوى على موقعها، لكنها قد تدفع أيضاً كلفة صراعات لا تملك بعد القوة والمؤسسات اللازمة لضبطها أو تحديد نهاياتها.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا