الصحافة

إيران تشعل الجوار هربًا من الانهيار

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

 

لم تعد التطوّرات المتسارعة في إيران تُقرأ بوصفها أحداثًا منفصلة أو أزمات عابرة، بل باتت تبدو كفصول مترابطة من مرحلة انتقالية شديدة الحساسية تعيشها الجمهورية الإسلامية. فمن تداعيات مرحلة ما بعد علي خامنئي، إلى الجدل المحيط بترتيبات انتقال السلطة، وصولا إلى ارتفاع منسوب التوتر في مضيق هرمز وتصاعد الاحتكاكات مع دول الخليج العربي، تتكشّف ملامح مشهد عنوانه الأبرز: نظام يحاول تثبيت صورته في الداخل عبر استعراض القوة في الخارج، فيما تتراكم حوله أسئلة الشرعية والقدرة على إدارة المرحلة المقبلة.

أرادت طهران أن تجعل من مراسم تشييع علي خامنئي محطة سياسية تؤكد من خلالها أن النظام تجاوز اختبار الانتقال، وأن مؤسسات الحكم لا تزال قادرة على الحفاظ على تماسكها بعد عقود من هيمنة المرشد الراحل على مفاصل القرار. وسعى النظام إلى تقديم صورة دولة مستقرّة، قادرة على ضبط انتقال السلطة ومنع أي اهتزاز في بنية الحكم. إلّا أن المشهد نفسه حمل مؤشرات فتحت الباب أمام تساؤلات سياسية واسعة، خصوصًا في ظلّ الجدل الذي رافق موقع المرشد الجديد مجتبى خامنئي ودوره في المرحلة المقبلة، والغياب اللافت عن الظهور العلني الذي عزّز التكهّنات حول طبيعة المرحلة التي تمرّ بها القيادة الإيرانية. كما زادت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الغموض بشأن احتمال مقتل مجتبى، رغم أنها بقيت في إطار التقديرات السياسية ولم تُحسم رسميًا من قبل السلطات الإيرانية.

لا ترتبط حساسية المرحلة بالرموز وحدها، بل بما رافقها من إجراءات أمنية وتنظيمية واسعة. فحجم الانتشار الأمني وتشديد الرقابة حول المؤسسات والمرافق الحيوية عكسا إدراكًا رسميًا لحجم التحدّيات الداخلية، وحرصًا على منع أي اضطرابات قد تهدّد صورة الاستقرار التي يسعى النظام إلى تكريسها، إذ إن المشكلة التي تواجهها طهران ليست فقط في انتقال السلطة، بل في الحفاظ على توازنات معقّدة داخل نظام تتداخل فيه المؤسسة الدينية مع "الحرس الثوري" والأجهزة الأمنية ومراكز النفوذ المختلفة.

انطلاقًا من ذلك، يُمكن فهم العلاقة بين الداخل الإيراني والتصعيد في الخليج. فالنظام الإيراني لطالما استخدم المواجهات الخارجية كأداة لتعزيز التماسك الداخلي وإعادة ترتيب الأولويات السياسية. بالفعل، عندما تتراجع قدرة السلطة على إنتاج الشرعية عبر الإنجازات الاقتصادية أو الاستقرار الداخلي، يصبح خطاب التهديد الخارجي وسيلة لإعادة تقديم الأمن القومي باعتباره القضية المركزية. لذلك، لا يُمكن فصل رفع مستوى التوتر في الخليج عن الحسابات الداخلية في طهران. حتى عندما تدخل إيران في تفاهمات أو مراحل تهدئة مع القوى الدولية، يبقى هاجس الحفاظ على تماسك النظام حاضرًا في قراراتها، إذ إن المواجهة بالنسبة إلى القيادة الإيرانية ليست مجرّد خيار سياسي خارجي، بل جزء من منظومة سياسية بُنيت على مدى عقود حول فكرة الصراع والقدرة على الصمود أمام الضغوط.

لكن التحدّي الأكبر أمام القيادة الجديدة يكمن في صعوبة وراثة ثقل علي خامنئي السياسي الكامل. فالمرشد السابق أمضى عقودًا في إدارة التوازنات الدقيقة بين مراكز القوة داخل النظام، وتمكّن من الحفاظ على شبكة معقّدة من التحالفات والولاءات. أما القيادة الحالية، فتواجه اقتصادًا أكثر إنهاكًا، وضغوطًا إقليمية ودولية متزايدة، وانقسامات داخلية حول مستقبل الحكم واتجاهاته. بناءً على ذلك، تتضح خطورة المرحلة المقبلة، إذ إن التصعيد الذي يُراد منه تعزيز صورة القيادة أو ترميم موقعها الداخلي قد يتحوّل إلى عامل إضافي في تعميق الأزمات إذا تزامن مع استمرار الضغوط الاقتصادية واتّساع الخلافات داخل مراكز القرار. عندها، لن يكون السؤال فقط عن قدرة طهران على إدارة المواجهة مع الخارج، بل عن قدرتها على إدارة مرحلة ما بعد علي خامنئي برمتها.

في المحصّلة، تبدو إيران أمام محاولة لتحويل القوة الأمنية والتصعيد الإقليمي إلى بديل عن معالجة أزمات الداخل. إلّا أن التجربة تشير إلى أن الأزمات العميقة لا تُحلّ باستعراض القوة وحده، وأن الشرعية لا تُبنى فقط عبر الحشد الأمني أو خطاب المواجهة. فكلّما اشتدّ الخناق حول طهران، ارتفع منسوب التصعيد في الخليج، لكن السؤال الأكبر يبقى: إلى أي مدى يستطيع النظام استخدام الخارج لتأجيل استحقاقات الداخل؟

طارق أبو زينب -نداء الوطن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا