الصحافة

امتعاض فرنسي من القيادات اللبنانية… هل تُطوى صفحة ماكرون في بيروت؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

يغادر السفير الفرنسي في لبنان هيرفيه ماغرو بيروت في الأيام الأولى من آب، بعد ثلاث سنوات من مهمة ديبلوماسية اتسمت بالنشاط والمثابرة في واحدة من أكثر المراحل صعوبة في تاريخ لبنان الحديث، شهدت حرباً إسرائيلية مدمرة، واحتلالاً متواصلاً لعدد من النقاط في الجنوب. وسيخلفه في نهاية الشهر المقبل السفير باتريك دوريل الذي تعرفه القيادات اللبنانية منذ سنوات، إذ إنه عمل مستشاراً في السفارة الفرنسية في المملكة العربية السعودية قبل انتقاله إلى قصر الإليزيه مستشاراً للرئيس إيمانويل ماكرون لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ثم سفيراً لفرنسا في العراق، وهو من أبرز المستشرقين الفرنسيين.

انتهاء مهمة ماغرو لا تطوي صفحة ديبلوماسية فحسب، بل تأتي في وقت تعيد فيه باريس النظر في حجم انخراطها في الملف اللبناني، بعدما كرّس الرئيس الفرنسي جانباً كبيراً من جهوده السياسية والديبلوماسية لمحاولة إنقاذ لبنان، من دون أن يلمس، في المقابل، تقديراً سياسياً يتناسب مع هذا الالتزام.

وقد تجلى ذلك بوضوح في الاتفاق الإطاري اللبناني - الإسرائيلي، حيث أُبعدت فرنسا عن المفاوضات بحجة أن الولايات المتحدة وحدها تملك التأثير على إسرائيل. صحيح أن الرئيس اللبناني جوزف عون اعتبر أن الرفض الإسرائيلي حال دون إشراك باريس، إلا أن هذا التبرير لا يبدو كافياً. فكان يمكن السعي إلى إيجاد صيغة تتيح حضوراً فرنسياً، ولو غير مباشر، تقديراً للدور الذي اضطلعت به فرنسا طوال السنوات الماضية، خصوصاً أن الوسيط الأميركي كان ولا يزال منحازاً بالكامل إلى الموقف الإسرائيلي.

ويزداد هذا الانطباع رسوخاً في ظل ما يجري جنوباً، إذ إن ما يسمى "المناطق التجريبية" لا يشكل في الواقع دليلاً على نية إسرائيلية حقيقية للانسحاب، لأنها ليست مواقع احتلال ثابتة، بل نقاط تدخلها القوات الإسرائيلية وتغادرها. والمفارقة أن فكرة هذه المواقع طرحها أساساً عام 2024 وزير الدفاع الفرنسي آنذاك، ورئيس الوزراء الفرنسي الحالي سيباستيان لوكورنو، قبل أن تتحول لاحقاً إلى جزء من التفاهمات الأمنية.

مبادرات ومساعدات

منذ انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020، لم يتعامل ماكرون مع لبنان على أنه ملف خارجي عادي. فقد كان أول رئيس دولة يصل إلى بيروت في السادس من آب، متقدماً حتى على زيارة الرئيس اللبناني آنذاك ميشال عون لموقع الانفجار، وحاملاً معه مساعدات إنسانية ورسالة تضامن مباشرة مع اللبنانيين.

ثم عاد في أيلول من العام نفسه لإطلاق مبادرته السياسية، في محاولة لجمع القيادات اللبنانية حول مشروع إصلاحي ينقذ البلاد من الانهيار.
ولم يقتصر التحرك الفرنسي على المبادرات السياسية، بل نظّم ماكرون في التاسع من آب 2020 مؤتمراً دولياً لدعم الشعب اللبناني بالشراكة مع الأمم المتحدة، شارك فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب وعدد كبير من قادة العالم، ثم عقد مؤتمراً ثانياً في كانون الأول من العام نفسه لمواصلة الدعم الإنساني، قبل أن ينظم مؤتمراً ثالثاً عام 2021 أسفر عن تعهدات بلغت نحو 370 مليون دولار، بينها مئة مليون دولار قدمتها فرنسا.

ومع اندلاع الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2024، استضافت باريس مؤتمراً دولياً جديداً نجح في حشد نحو مليار دولار للمساعدات الإنسانية ولدعم الجيش اللبناني.

توازيا، كان لفرنسا دور محوري في إنهاء الفراغ الرئاسي اللبناني. فقد كلّف ماكرون مبعوثه الخاص جان - إيف لودريان العمل مع اللجنة الخماسية، بالتنسيق الوثيق مع المملكة العربية السعودية، للتوصل إلى انتخاب الرئيس جوزف عون، ثم رحب بتكليف نواف سلام تشكيل الحكومة، وزار بيروت في كانون الثاني 2025 لتهنئتهما.

كذلك كثف اتصالاته بالرئيس الأميركي سعياً إلى وقف الحرب الإسرائيلية على لبنان، وأسهمت فرنسا مع الولايات المتحدة في إنشاء آلية مراقبة وقف النار التي ضمت الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي و"اليونيفيل"، قبل أن تتوقف لاحقاً بقرار أميركي. وتحرك ماكرون بعد الهجوم الإسرائيلي العنيف على بيروت هذا العام، في محاولة لمنع توسع المواجهة، فيما دفعت فرنسا ثمناً مباشراً عبر سقوط جنود من قواتها العاملة ضمن "اليونيفيل".

اليوم، مع اتجاه الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إنهاء مهمة "اليونيفيل"، تبدو باريس أكثر حذراً إزاء أيّ مشاركة عسكرية جديدة في جنوب لبنان، ما لم تكن مهمتها واضحة ومستقلة، لا خاضعة بالكامل للقرارين الأميركي والإسرائيلي.

وكان ماكرون قد عمل أيضاً على تنظيم مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني في باريس، كان مقرراً في الخامس من آذر، قبل أن تؤدي الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران إلى تأجيله إلى أيلول المقبل. والسؤال المطروح اليوم: هل تواصل باريس العمل بالحماسة نفسها لعقد هذا المؤتمر؟

 

ربما يرى الرئيس اللبناني أن الرفض الإسرائيلي حال دون إشراك فرنسا في المفاوضات، لكن ذلك لا يغيّر حقيقة أن باريس، بعد كل ما بذله ماكرون من جهود استثنائية لإنقاذ لبنان، كانت تستحق محاولة لبنانية جدية لإيجاد مكان لها على طاولة المفاوضات، ولو بصيغة غير مباشرة. فمن الصعب تجاهل دولة كرست ست سنوات من العمل السياسي والديبلوماسي والإنساني والعسكري دعماً للبنان، ثم تُستبعد عن أهم مسار تفاوضي يتعلق بمستقبله.

من هنا، فإن الامتعاض الفرنسي يبدو مفهوماً، ليس لأن فرنسا لم تشارك في المفاوضات فحسب، بل لأن قيادات لبنانية اعتبرتها باريس صديقة لم تُبدِ، في نظر كثيرين، الوفاء السياسي الذي يوازي حجم الالتزام الفرنسي حيال لبنان.

رندة تقي الدين -النهار

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا