أوكرانيا “تقصف” الممر الروسي الإيراني
لم يعد بحر قزوين، ذلك الحوض المغلق الذي طالما اعتبرته موسكو وطهران بحيرة استراتيجية آمنة بعيدة عن مرمى النيران الغربية، معزولاً عن لهيب الحروب المشتعلة من شرق أوروبا إلى الشرق الأوسط. ففي تطور دراماتيكي حبس أنفاس عواصم القرار، تحولت مياهه الهادئة إلى مسرح لمواجهة استخباراتية وعسكرية غير مسبوقة، إثر الاستهداف الأوكراني الأخير لسفن شحن وبحريّة كانت تنقل إمدادات حساسة بين الشاطئين الإيراني والروسي.
هذه الضربة النوعية، التي أسفرت عن مقتل بحار إيراني وتدمير شحنات عسكرية وإلحاق أضرار بمنشآت لوجستية ونفطية، لم تكن مجرد مغامرة عسكرية خاضتها كييف بذراعها الضاربة المتمثلة بالطائرات المسيّرة بعيدة المدى، بل جاءت كثمرة لتقاطعات معقدة بين الاستخبارات الإقليمية، والحسابات الرئاسية في واشنطن، ورغبة أوكرانية عارمة في تسديد الفواتير القديمة مع طهران.
اختراق “الممر الآمن“
بدأت شرارة التصعيد الأخير عندما نفذت القوات الخاصة والجهاز الأمني الأوكراني هجوماً مركزاً بسرب من المسيرات الانتحارية المتطورة، التي استهدفت سفن شحن محددة بالاسم، من بينها السفينتان “بورت أوليا 2” و”بيجي”، قبالة الموانئ الروسية في شمال قزوين. وعلى الرّغم منَ التكتّم الذي صاحب اللحظات الأولى، سارعت طهران إلى استدعاء القائم بالأعمال الأوكراني والتنديد الشديد بما وصفته “عدواناً إجرامياً يستهدف أمن الملاحة التجارية”.
لم يتردد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في تبني العملية علناً، ليُعلن أنّ قوات بلاده حققت “نتائج قوية جداً من خلال ضربات بعيدة المدى في بحر قزوين طالت سفناً تُستخدم في نقل الشحنات العسكرية المرتبطة بإيران، فضلاً عن قطع بحرية حربية”.
لكن المشهد الميداني الظاهر لا يروي سوى جزء بسيط من الحقيقة، إذ تحمل الكواليس أبعاداً أعمق تتجاوز حدود الجغرافيا الأوكرانية والروسية.
خفايا الضربة وقواعد اللعبة الجديدة
تكشف معلومات حصل عليها “أساس” من مصدر إقليمي بارز، أن ما جرى في بحر قزوين ليس مجرد رد فعل أوكراني تقليدي، بل هو نتاج غرفة عمليات معلوماتية متقدمة تقاطعت فيها مصالح تل أبيب وواشنطن وكييف.
وبحسب المصدر الإقليمي لـ”أساس”، فإن خلفيات هذا الاستهداف تتلخص في المعطيات الاستخباراتية والاستراتيجية الآتية:
- شحنات قطع الصواريخ الروسية إلى طهران: أكد المصدر أن السبب الرئيسي والمباشر للضربة الأوكرانية في بحر قزوين يعود إلى معلومات استخباراتية مؤكدة بلغت إسرائيل والدول الغربية، تفيد ببدء عملية عكسية لخطوط الإمداد. إذ شرعت موسكو في تزويد طهران بقطع ومكونات تكنولوجية جديدة وحساسة تدخل مباشرة في تطوير وصناعة الصواريخ الباليستية الإيرانية.
هذا التحول في طبيعة الشحنات، من تصدير المسيرات الإيرانية لروسيا إلى استيراد طهران لتقنيات صاروخية روسية متقدمة، دق ناقوس الخطر لدى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية والغربية.
- المعلومات الإسرائيلية: كشف المصدر لـ”أساس” أن جزءاً وازناً وحاسماً من بنك الأهداف والمعلومات الإحداثية التي تحركت أوكرانيا على أساسها لدك السفن والشحنات في قزوين، كان مصدره الاستخبارات الإسرائيلية. لكنّ إسرائيل لم تتمكن من تنفيذ الضربة بنفسها. إذ تفرض إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب خطوطاً حمراء صارمة تمنع تل أبيب من الانخراط المباشر في هذه المواجهة الجديدة. وتأتي هذه الفرملة الأميركيّة في إطار سياسة “التصعيد المضبوط” (Controlled Escalation) التي تعتمدها واشنطن تجنباً لانفجار شامل في المنطقة وتفادياً لتوسع رقعة الصراع الإقليمي إلى مستويات يصعب التحكم بها.
- الذراع الأوكرانية كبديل عملياتي: أوضح المصدر الإقليمي أن الضربة الأوكرانية جاءت بمثابة بديل عملياتي متفق عليه ضمنياً ويحول دون الانخراط الإسرائيلي المباشر في العملية. فمن جهة، حققت الضربة الهدف الإسرائيلي بقطع شريان نقل التقنيات الصاروخية بين موسكو وطهران، ومن جهة أخرى حمت واشنطن وتل أبيب من تبعات المواجهة المباشرة مع طهران في هذا التوقيت الحرج.
- تصفية حساب أوكرانية موازية: تلاقت هذه الرغبة الإسرائيلية – الأميركيّة مع حاجة أوكرانية ماسة للرد المباشر على طهران. إذ ترى القيادة الأوكرانية في هذه العملية فرصة ميدانية لتصفية الحساب مع إيران، وذلك للرّدّ على انخراطها المباشر طوال السنوات الماضية في دعم الآلة العسكرية الروسية، وتزويد الجيش الروسي بآلاف الطائرات المسيرة من طراز “شاهد” وبشحناتٍ من الصواريخ الباليستية التي انهالت على المدن والبنى التحتية الأوكرانية.
طهران على خط الرد
لم تتأخر ردود الفعل الرسمية التي حملت نبرة غضب غير مسبوقة وتوعداً صريحاً بالانتقام. فقد أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في اتصالات مع مسؤولين دوليين وأوروبيين أن ما أقدمت عليه كييف “عمل عدائي لا يمكن أن يمر من دون رد”، تبعَ ذلك تصريحات للمتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي والعديد من القادة العسكريين، مشددين على أن إيران تحتفظ بحقها الكامل في الدفاع عن النفس والتصدي لأي تهديد يطال أمنها البحري والملاحي.
لكنّ الأخطر من التصريحات والدبلوماسية الخشنة يكمن في البُعد الميداني المتوقع لهذا الرد. إذ تفيد معلومات “أساس” أن الدوائر العسكرية والأمنية في طهران باتت تدرس خياراً ينطوي على تحول استراتيجي خطير، وهو إمكانية توجيه ضربات مباشرة للأراضي الأوكرانية انطلاقاً من الأراضي الإيرانية نفسها.
إن انتقال طهران من صيغة إمداد وتزويد موسكو بالسلاح إلى صيغة الاستهداف المباشر لكييف من الداخل الإيراني، سيعني تجاوزاً كاملاً للخطوط الحمراء القائمة، ونقل المواجهة من نطاق “الحرب بالوكالة” أو الدعم اللوجستي إلى صدام مباشر ومكشوف يضع إيران في مواجهة أعمق مع المنظومة الغربية والدول المدافعة عن كييف.
تداخل الجبهات وسقوط خطوط الحماية: يمثل وصول المسيرات الأوكرانية إلى بحر قزوين، والتهديد الإيراني المتبادل بنقل ضرباته إلى العمق الأوكراني، هو نقطة تحول جيوسياسية بارزة. فطوال عامين ونيف، اعتمد المحور الروسي-الإيراني على شبكة خطوط الملاحة التي ترتبط عبر نهر الفولغا وقزوين لنقل العتاد والذخائر بعيداً عن أعين العقوبات والرقابة الغربية المباشرة.
وكان هذا الممر المائي الممتد من الموانئ الإيرانية مثل أنزلي وأمير آباد، إلى الموانئ الروسية مثل أستراخان وكاسبيسك، يوفر الأمان المطلق لنقل التكنولوجيا العسكرية. إلا أن دخول كييف على خط المواجهة في هذه الجغرافيا يفرض على موسكو وطهران إعادة النظر في منظومة الحماية اللوجستية، ويحرمهما من الفضاء الآمن الوحيد الذي كان بعيداً عن ألسنة اللهب.
كذلك يعكس هذا الاستهداف حالة التداخل العضوي المتزايدة بين حرب شرق أوروبا وأزمات الشرق الأوسط. فالاتهامات والمواجهات المتبادلة كشفت أن الشراكة بين موسكو وطهران تجاوزت صيغة “التبادل التجاري العسكري” إلى غرف عمليات استخباراتية متقاطعة تعبر القارات.
رسائل مرحلة “التصعيد المضبوط“
تفتح حادثة بحر قزوين والاحتمالات المفتوحة للرد الإيراني الباب أمام حقبة جديدة من الحرب الهجينة المتقاطعة. فبينما تحرص إدارة ترامب على ضبط الإيقاع الإقليمي وعدم الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة من جانب إسرائيل، فإنها تفضل ترك المساحة لكييف لتمارس دور “المخرب اللوجستي” لشراكات خصومها.
لكن حسابات الحقل الأوكراني والأميركي قد لا تتطابق مع بيدر الرد الإيراني. فإذا ما أقدمت طهران بالفعل على تنفيذ تهديداتها واستهداف الأراضي الأوكرانية مباشرة من أراضيها، فإن سياسة “التصعيد المضبوط” سترتطم بجدار الواقع الصلب.
بين الرغبة الإسرائيلية في تقليم أظافر طهران الصاروخية، والحسابات الأوكرانية المفتوحة مع إيران، والتلويح الإيراني بالرد في العمق الأوكراني، يقف بحر قزوين اليوم كشاهد جديد على سقوط الحدود بين حروب العالم، لينضم رسمياً إلى قائمة خطوط النار المفتوحة في الشطرنج الدولي المعقد.
ابراهيم ريحان -اساس
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|