بصورة مؤقتة.. إقفال دائرتَي رسم الانتقال والضرائب غير المباشرة
من هزيمة إلى هزيمة... هكذا ضاعت فلسطين!
مع إعلان حركة "حماس" موافقتها على نزع السلاح بموجب اتفاق مع "مجلس السلام" بشرط نشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار في قطاع غزة، والتزام إسرائيل بتعهداتها الواردة في اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في تشرين الأول الماضي، يمكن القول إنّ هزيمة إضافية لحقت بالفلسطينيّين. وإذا كان صحيحًا أنّ القضيّة الفلسطينية هي قضيّة حق، فإنّ الأصح أنّ الحروب غير المدروسة والقرارات المُتهوّرة والرهانات غير الصائبة التي اتخذت في التعاطي مع الغُبن والظلم اللذين مارستهما الحكومات الإسرائيلية المُتعاقبة على الفلسطينيّين، أسفرت عن ضياع فلسطين كليًا، وتسبّبت بانعكاسات سلبية جدًا على العديد من الدول العربية وفي طليعتها لبنان. التفاصيل تُلقي الضوء باختصار على مسار تاريخي أوصل الفلسطينيين إلى خسارة وطنهم!
في 29 تشرين الثاني 1947 جرى تقسيم فلسطين لأوّل مرّة عبر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 الذي نص على إنهاء الانتداب البريطاني وتقسيم الأرض إلى دولتين: دولة يهودية، ودولة عربية فلسطينية، مع وضع مدينة القدس تحت وصاية دولية. وقد خصّص قرار التقسيم المساحة الكبرى للدولة اليهودية على الرغم من أن اليهود كانوا يُشكّلون في حينه الأقلية السكانيّة، حيث مُنحت إسرائيل نحو 56.5% من المساحة الكلية، وشملت السهل الساحلي، مرج بني عامر، وصحراء النقب، بينما مُنحت فلسطين نحو 42.9% من المساحة شملت الجليل الغربي، والضفة الغربية، وقطاع غزة، والساحل الجنوبي، بموازاة اعتماد منطقة عازلة على المساحة الصغيرة جدًا المتبقية. وقد لاقى هذا التقسيم في حينه اعتراضا فلسطينيا وعربيا واسعا، لأن المجتمع العربي كان يشكل في تلك الحقبة نحو 67% من إجمالي السُكّان.
ومنذ ذلك الوقت بدأت الحروب العربية الإسرائيلية التي كانت تنتهي في كل مرّة بهزيمة الفلسطينيّين ومن يدعمهم من قوى عربية، وبخسارة المزيد من أراضي فلسطين! ففي حرب العام 1948 المعروفة باسم "النكبة"، سيطرت القوات الإسرائيلية على قرابة 77-78% من أرض فلسطين التاريخية، وأدت الحرب إلى طرد وتهجير نحو 750 ألف فلسطيني، وتدمير أكثر من 500 قرية ومدينة. في حرب العام 1956، قامت القوات الإسرائيلية، بذريعة وضع حد لعمليات الفدائيين المُنطلقة من قطاع غزّة بدعم مصري، بغزو منطقتي شرق قناة السويس وصحراء سيناء إضافة إلى قطاع غزة، قبل أن تنضم القوات البريطانية والفرنسية إلى الحرب على مصر، بعد قيام الرئيس المصري جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس. وإذا كان الإسرائيليّون عادوا وانسحبوا من الأراضي التي احتلوها خلال ما سُمّي "العدوان الثلاثي" تحت وطأة الضغط الدَولي، فإنهم لم يفعلوا ذلك بعد حرب العام 1967 التي تُعرف باسم "حرب الأيّام الستة" حيث احتلّ الجيش الإسرائيلي شبه جزيرة سيناء المصرية، وقطاع غزة، والضفة الغربية، ومرتفعات الجولان السورية.
ولم تنجح كل العمليات "الفدائية" الفلسطينية في استرداد ذرّة تراب واحدة من فلسطين، بل تسبّبت في كل مرّة بموجات جديدة من التهجير للشعب الفلسطيني، وإقامة مُستعمرات جديدة للإسرائيليّين، ناهيك عن الخسائر الهائلة في الأرواح والممتلكات. وقد استقدمت سياسة القتال الفلسطينيّة الحرب إلى لبنان، مع ما خلّفته من دمار وموت واستجلاب للاحتلال الإسرائيلي، إضافة إلى دخول لبنان في حرب أهلية غذّتها الصراعات الإقليمية والدَولية على أرضه.
وفي التاريخ الحديث، لم يُحقّق الخيار العسكري الذي اعتمدته حركة حماس الفلسطينية منذ تأسيسها وُصولًا إلى معركة "طوفان الأقصى" في العام 2023، نتائج مُغايرة لما حدث في السابق، بل خسر الفلسطينيّون المزيد من الأراضي، إضافة إلى سُقوط عشرات آلاف القتلى ومئات آلاف الجرحى. وقد تذرّعت إسرائيل بالعمليات الأمنية التي نفّذتها بعض الفصائل ضُدّها للالتفاف على كل ما كانت "السُلطة الفلسطينيّة" قد حقّقته من مكاسب سياسية وجغرافية، لتعود وتُطبّق سياسات التهجير والقتل والاستيطان. وها هي "حماس" تُضطرّ في نهاية المطاف تحت وطأة الخسائر الجسيمة التي منيت بها، والمآسي الكبرى التي سببتها للشعب الفلسطيني، إلى أن ترضخ لشروط تسليم السلاح وإنهاء العمل العسكري، متأمّلة أن تُقايض ذلك بانسحاب الإسرائيليّين من الأراضي التي احتلتها في غزّة في الحرب الأخيرة!
وبالتالي، حتى في حال نجح الأميركيّون في الضغط على الإسرائيليّين لجعلهم يُنفّذون ما عليهم من التزامات، ومنها الانسحاب من غزّة، تبقى دفّة الاتفاق مائلة في غير مصلحة الفلسطينيّين، حيث إن أمل التمتّع بدولة مستقلّة تبدّد بشكل كبير، والأراضي المتفرّقة التي ما زالت بحوزة الفلسطينيّين، تُواجه صُعوبات متعدّدة على مختلف الصُعد. وهي عبارة عن بُقع جغرافية غير متصلة، تفتقر إلى أدنى متطلّبات العيش الكريم، وتُعاني من هجمات ومداهمات دائمة تُنفّذها القوات الإسرائيلية، ومن اعتداءات مُتكرّرة تقوم بها مجموعات مُتزمّتة من المستوطنين اليهود. أكثر من ذلك، تتعرّض هذه الأراضي الواقعة تحت السيطرة الفلسطينية لحصار شديد دائم، ولتوسّع استيطاني مستمر، علمًا أن مساحتها الفعليّة لا تزيد على نحو 15% فقط من إجمالي مساحة فلسطين التاريخية.
في الخلاصة، لقد حان الوقت للفلسطينيّين أن يقوموا بعملية تقييم موضوعية للسياسات التي اعتمدوها منذ أن أعلنت بريطانيا في العام 1917 عبر رسالة مكتوبة من قبل وزير خارجيتها آرثر بلفور دعمها لتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين. فالنتائج لا تحتاج إلى كثير من التمحيص، حيث إنّ المواجهات العسكرية التي خاضوها ارتدّت سلبًا عليهم، ووسّعت من نطاق احتلال إسرائيل لأراضيهم ومن غطرستها إزاء حقوقهم. فالتهليل بقتل إسرائيلي هنا وبدهس آخر هناك وبتفجير آلية عسكرية هنالك، شيء، واسترداد فلسطين بالفعل وليس بالكلام والوعود الطنّانة منذ قرابة الثمانية عُقود، شيء آخر تمامًا!
ناجي البستاني -النشرة
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|